فلسفة المكانة الاجتماعية – الجزء الأول

عن كتاب "قلق السعي إلى المكانة الاجتماعية الشعور بالرضى أو المهانة"


كيف للمكانة الاجتماعية أن تلعب دورا جوهريا في حياتنا وأن تُمحور وتوجه جل علاقاتنا؟ هل فعلا وضعنا الاجتماعي ومكانتنا هي ما يحدد قيمتنا؟ أم أن قيمتنا تكمن في جوهرنا، في ما نحن عليه فعليا وفي ما نكنه في دواخلنا؟ وهل للقيم الإنسانية أن تحل محل المكانة الاجتماعية وتصبح في يوم من الأيام هي معيار حكمنا على الآخر؟

كتاب “قلق السعي إلى المكانة” يجيبنا بطريقة فلسفية متعمقة من خلال أبحاث ووقائع تاريخية وأراء فلسفية عن هته التساؤلات، حيث يقدم العديد من المعلومات والحقائق والدراسات والتفسيرات الفلسفية للمكانة الاجتماعية للفرد. من خلاله يحملنا ألان دوبوتون بأسلوبه الشيق وطريقته الفريدة من نوعها ويجول بنا حول فلسفة المكانة الاجتماعية وكيف لها أن تلعب دورا مهما في معظم علاقاتنا الاجتماعية، بل حتى علاقتنا بذواتنا.

قد يبدو الأمر بديهيا في بادئ الأمر لكن ما إن تتوغل بين طيات الكتاب حتى تكتشف أنه ليس بالسهولة التي يبدو عليها، فمنذ قرون مضت كانت المكانة الاجتماعية ولا زالت تطرح حولها العديد من التساؤلات…

قد نعتقد في سن محددة أن مكانتنا ليست أكثر أهمية من كوننا أشخاصا كل ما يتوجب عليهم هو أن يكونوا أناسا صالحين حتى نكتسب أولا تقديرنا الذاتي ثم تقدير واحترام الآخرين لنا، لكن سرعان ما نكتشف أن المكانة الاجتماعية هي ما يمكنها أن تحقق لنا هذا فمكانتك المرموقة حتى لو كنت وقحا أو شريرا أو ربما مجرما قد تحقق لك الاحترام في مجتمع ينظر إلى الأشخاص بطريقة مادية صرفة.

يقول ألان دوبوتون: “أن يشغل المرء مكانة دنيا في السلم الاجتماعي ليس بالشيء السار من الناحية المادية إلا أنه من الناحية النفسية لا يكون مؤلما بقدر متساو في كل مكان وزمان. إن مدى تأثير الفقر على تقدير المرء لذاته يتوقف بدرجة خطيرة على طريقة المجتمع في تأويل ذلك الفقر وتفسير أسبابه…”.

ينقسم هذا الكتاب إلى جزأين رئيسيين وهما الأسباب والحلول، فحسب الكاتب، من بين أسباب هذا القلق هو افتقاد الحب حيث يقول “إن الدافع المهيمن وراء رغباتنا في الارتقاء فى درجات السلم الاجتماعي قد لا يكون مرتبطا بما نراكمه من سلع مادية أو ما نحوزه من سلطة بقدر ما يرتبط بمقدار الحب الذي نتطلع لأن نتلقاه نتيجة المكانة العالية. فمن الممكن تثمين كل من المال والشهرة والنفوذ بوصفها شارات رمزية للحب ووسائل للحصول عليه وليست كأهداف في حد ذاتها”.

فحسب الكاتب إننا غالبا ما نسعى إلى بلوغ مكانة اجتماعية مرموقة رغبة في أن نحتل مراتب أعلى في قلوب الآخرين، أي أن من الدوافع التي تجعلنا نسعى إلى المكانة هو الرغبة في شعورنا أننا محط اهتمام وعناية…
أما السبب الثاني فهو الغطرسة أوsnobbery وهي المبنية على التمييز الطبقي تحديدا -بدأ استخدامها في اللغة الإنجليزية خلال عشرينيات القرن التاسع عشر-. ويشار بكلمة snob إلى كل شخص ممتعض من افتقار الآخرين للمكانة العالية أي كل من يؤمن بالتوازن التام بين منزلة المرء الاجتماعية وقيمته كإنسان.
وحسب الكاتب فإن فئة المتغطرسين وجدت عبر التاريخ بداية من الجنود –في أسبرطة 400 قم – والأساقفة –في روما 1500- والشعراء –جمهورية فايمار الألمانية 1815- ونجوم السينما –هوليوود 2004- فيقول: “ان الانشغال الأساسي لهذه الفئة هو السلطة وبتغير طرائق وتوزيع السلطة تتغير معها طبيعيا ومباشرة أهداف إعجابهم وتقديرهم”.

و يسهل علينا اكتشاف كل من يعاني من الغطرسة أو من ينتمي لهذه الفئة إذ أنه قد يوجه لنا سؤالا حول عملنا ومكانتنا منذ الدقائق الأولى من اللقاء وبناء على إجابتنا سوف يكون رد فعله وحكمه على قيمتنا. يقول الكاتب: “ربما يكون الخوف وحده هو جذر المشكلة لأن الواثقين من قيمتهم الذاتية لن يتَسَلَّوا بتحقير الآخرين فوراء الاختيال والغرور يكمن ذعر مقيم، فحينما ننقل لبعض الناس الشعور بأنهم غير أكفاء لنا يأتي القصاص اللازم بشعورنا بالدونية إزاء أشخاص آخرين”.

لا يغفل الكاتب أيضا عن تقديم معطيات وأحداث تاريخية توثق هوس الإنسان بالمكانة منذ قديم الزمن فيخبرنا في السبب الثالث الذي يتمثل في التطلع عن القرن الثامن عشر وعن التغيير الذي طرأ في الغرب والذي انطلق من بريطانيا بفضل تقنيات الزراعة الحديثة مما ساهم في تطوير وارتفاع في القوة الإنتاجية الشيء الذي غير التطلعات الاجتماعية للأشخاص حيث أصبح كل ما كان ثانويا أو من الرفاهية من مستلزمات الحياة الضرورية، فخلال القرن التاسع عشر تم فتح متاجر عملاقة متعددة الأقسام في أنحاء أوروبا وأمريكا وفي باريس ونيويورك ولندن وظهرت أيضا العديد من المبتكرات التكنولوجية التي يوثق الكاتب سنة اختراعها وبراءة اختراعها تعود لِكَم من المخترعين.
لكن رغم هذا كله ظل الإنسان يشعر بالعوز وبأن لا شيء يكفي بالمرة أي أن الإنسان يتطلع دائما إلى ما هو أفضل على الدوام.

وفي العصر الحديث بزغ كتاب عملوا على تحفيز الناس لصنع أنفسهم بسواعدهم مثل بنجامين فرانكلين وانتوني روبنز من خلال كتابه “أيقظ العملاق الذي بداخلك”، والعديد من المشاهير سواء في الإعلام المسموع أو المكتوب الذين كان لهم الهدف نفسه وهو التطلع الدائم إلى ما هو أفضل وإلى مكانة أسمى اجتماعيا.

يقول ألان دوبوتون: “قد تبدو مشاعر العوز تلك أقل غرابة إذا تأملنا الآلية السيكولوجية وراء الطريقة التي تقرر بها بدقة المقدار الذي نعتبر أنه كفاية أن حكمنا بشأن ما يعين الحد المناسب لأي شيء للثروة أو التقدير، مثلا لا يجيء مستقلا بنفسه بدلا من ذلك نصنع تلك المعايير عن طريق مقارنة حالنا بحال مجموعة مرجعية، إنها جماعة الناس التي نعتقد أنهم يشبهوننا“.

يتبع…

فلسفة المكانة الاجتماعية – الجزء الأول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *