اعذرني

في موقف حياتي عابر عادي قد لا يبدو ذا أهمية عند الأغلبية، أُرسِل لي مقطع صوتي لشخص يُعبر عن حنينه للأيام الخوالي، فما كان مني بعد سماعه إلا أن انتقدت طريقة إلقائه والموسيقى المصاحبة له…فنَدِمت .
علمتُ فيما بعد أنَّ ما قام به هذا الشخص يُعتبر إنجازا عظيما ومفاجئا أمام الظروف التي مر بها والويلات التي ذاقها. 
لقد كان نشره لهذا المقطع الصوتي بمثابة انتشال من بحر كآبة قبع فيه سنينا طوالا. 
لا يعلم أحد منا ما قد يعني شيء بسيط لأحدهم، قد يعني له النجاة، الحياة، ولادة جديدة… 
قد تتعجب من فرح شخص يجلس جانبك بتمرة منحتها له فلم تستطع أكلها بعد شبعك، لكن قد تكون الوحيد الذي انتبه لوجوده وأهداه شيئا منذ مدة طويلة .
أنت لا تدري ما وقْع الأشياء في نفوس الناس، قد تُحييهم ابتسامة وتَكسرهم كلمة، لذا جُعِلت الكلمة الطيبة و الابتسامة في ديننا صدقة، ولذاك أوصانا نبي الرحمة بالٰتماس الأعذار، إذ لا علم لنا بظروف الشخص ونفسيته، فمن المجحف الحكم على تصرفه دون معرفة خلفيته.
من طبيعتنا كبَشر أننا لا نرى إلا ما يظهر لنا، فنحكم على الأشياء بسطحية، بمقاييسنا، بنفسيتنا، من زاويتنا الخاصة، ولا نكلف أنفسنا عناء التريث وربط المواقف بسياقاتها، ثم نغضب إن لم يفهمنا شخص آخر ولم يُقَدر ظروفنا .
نكون أنانيين أحيانا حين ننتظر من الآخرين أن يفهمونا ويتقبلونا بجميع عيوبنا وفي كل حالاتنا، أن يسألوا عنا في كل الأوقات ويخاطبونا بألطف العبارات، ثم لا نُحَمِّل أنفسنا عناء معاملتهم بالمثل ونلومهم إن تغيروا يوما .
لم يكن إلا مقطعا صوتيا قصيرا، لكن بفضله راجعت نفسي كثيرا و تفكرت في علاقاتنا مع الغير وطريقة تعاملنا وأحكامَنا المسبقة والسريعة .
تريث، افهم، تبيَّن واعْذِر، ذلك ما تعلمتُه .
لطالما علمتنا الحياة وما زالت تعَلمنا الكثير، وما دمنا نتنفس سنتعلم أكثر وأكثر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *