مصانع الرجال

استوقفتني يوما عبارة للإمام حنبل عن أمه يصف فيها عظمة هذه السيدة الشريفة، فقد حَفَّظته القرآن في العاشرة من عمره، وكانت توقظه قبل صلاة الفجر، وتُحمي له ماء الوضوء في ليالي بغداد الباردة، وتُلبسه ملابسه، ثم تختمر وتتغطى بحجابها، وتذهب معه إلى المسجد رغم بعد بيتهم عنه وظلمة الطريق.
تذكرت في هذا الصدد والدة أحد الأصدقاء المشهود له بأخلاقه الرفيعة وطيبته وتواضعه الشديدين، كيف كان يحكي عن أمه رحمة الله عليها التي لم تكن تتوانى عند إرساله إلى المسجد، كم كانت تفرح حينما تسمعه يرتل آيات الله في خشوع، وبعد كل سورة يُتِمها تخيط له ثوبا جميلا يقيه برد قرى الأعالي..
مئات القصص هي، قد نَظُن للوهلة الأولى أن الأمر لا يبدو غريبا عن حفيدات أمهات المؤمنين، حفيدات السيدة خديجة بنت خويلد التي ضحت بكل ما تملك في سبيل الله، وأُم سلمة التي كانوا يستفتونها بعد وفاة النبي (عليه الصلاة والسلام) وكانت لها مكانة عالية في نفوس الصحابة؛ والسيدة زينب التي كانت ملجأَ اليتامى والأرامل وعُرفت بكثرة سخائها و عظيم جودها. وغيرُهن كثيرات، لأنها القاعدة التي وجب السير عليها كمسلمات نظرا لطبيعة المسؤولية التي تفرضها هذه الصفة.
لكن، إن نظرنا للموضوع من زاوية مجتمعاتنا وماهي عليه الآن، فإن هذه القاعدة شكلت الآن استثناءً، وباتت ضربا من ضروب الخيال، وشيئا يستحق أن نقف للمُتصِفة به وقفة إحترام وإجلال وتصفيق لمجهوداتها التي أصبحنا نرى أنها مجهودات جبارة، رغم أنه واجب يفرضه عليها ديننا الحنيف.
إننا لا نلغي دور الأب في تنشأة أبنائه خاصةً منهم الذكور، فمسؤولية الأبوين مشتركة في تربية أبنائهما، لكن طبيعة الأم وتركيبتها الفيزيولوجية تجعلها أكثر قربا لأبنائها وأكثر تأثيرا عليهم وعلى شخصياتهم.
ولو أن نساء المسلمين كُنَْ على قدر من الوعي بهاته الأمور -والوعي لا نقصد به مستواهن الدراسي أبدا-، لَمَا رأينا ما نراه الآن من شباب بائس وضائع تركُله عتبات الشوارع مخمورا، وما رأينا ما نراه من دنُوِّ أخلاقٍ وتمسكٍّ بمعتقدات غربية لا شأن لنا ولا لأُسُس ديننا بها، ما شهدنا دعاوى إعتداء على الأصول، وزنا محارم، ومواهب السب والقذف اللذينِ شهدا تطورا على شاكلة أغانٍ تستهدف نفس الشباب الضائع لتزيد من ضياعه، لَمَا كنا سنستغرب إن طأطأ أحدُهم رأسه حياءً، و ننظر في المتعجرف نظرة (هذا ما كنا ننتظر)،
لكان نتاجنا مختلفا تماما، ولَشَكَّلت الأقلية من الشباب الخلوقين ذوو المبادئ والأخلاق الرفيعة الأغلبية الساحقة، لَتقدمت بلداننا بسبب شبابها كثَرَوات حقيقية كزرْعٍ صالح عاد حصاده بالنفع عليه وعلى مجتمعه، لَما هاجم الرجال منا نساءً أراضيهم على مواقع التواصل ومنابر الإعلام أو منابر (التفاهة).
إن للرجال مصانع يخرجون منها رجالا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان سامية، ومصانعُ الرجال أمهاتهم اللواتي يحرصن على تلقينهم مبادئ دينهم لأنها الركيزة الأساسية لشباب أفضل، ثم دورهن التالي في تعليمهن أسُسَ الرجولة والرحمة والعطف والعطاء والحياء واستشعارِ وجودِ الله والفرقِ بين الحرام والحلال والكلمة الطيبة والاقتداء بخير البشرية والمُضِيِّ قُدما. هؤلاء الأمهات درب منير يرحَلْن وهُنَّ على يقين أنهن أدَّيْنَ الواجب وسَلِمت ذِمَمُهنَّ مُخلِّفات زرعا صالحا ينَلن عليه الرحمة والدعاء الصالح.
والأمر في مُجمله ينطبق على النساء أيضا غير أن صناعة النساء أكثر تعقيدا و تتطلب جهدا مضاعفا، فصُنع إمرأة بحجمٍ لا بأس به من العظمة والرقي يحتاج الكثير، لذلك قال فيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم “من كان له بنتَان فأحسن إليهما دخل بهما الجنة”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *