لعله خير

ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك

في أول يوم تدريب طبي له، يستيقظ مهرولا من نومه، تغمره فرحة لا مثيل لها، تختلط عليه الأحاسيس، مزيج من الفرحة العارمة والتأثر الشديد. كيف لا وهذا أول تدريب له في المستشفى. يلبس وزرته البيضاء الأبهة، ويحمل سماعته حول عنقه ويخرج مسرعا، فيوم طويل ينتظره. يمشي منتصب القامة، مرفوع الرأس نحو المستشفى، يكفيه فخرا أنه يحمل اسم طالب طب. يمر أمام عينيه لوهلة شريط من التعب والكد والسهر، بغية بلوغه مناه، ولوهلة أخرى يتراءى له نفسه في خياله وهو يؤدي قسم الطبيب وسط عائلته وأصدقائه وأساتذته وكل من يكن له ذرة حب، وهو يردد في مخيلته :** أقسم بالله العظيم أن أراقب الله في مهنتي وأن أصون حياة الإنسان في كافة أدوارها، في كل الظروف والأحوال باذلا وسعي في إنقاذها من الهلاك والمرض والألم والقلق **…. فإذا بصوت رقيق دافئ يقاطعه : هيا قم يا بني، لا شك أنك قد تأخرت عن درسك في الجامعة.. ذاك الصوت الدافئ كان حقيقة، لكن صوت القسم لم يكن كذلك، كان حلما فقط.

استيقظ وقلبه يخفق من شدة الخوف، فإذا به تتملكه غصة وتغرورق عيناه لما آتاه في المنام.

كان حلم صاحبنا منذ الصبى أن يكون طبيبا، لكن الأقدار قد ساقته لمستقبل آخر، لم يكن في الحسبان، و لم يدرجه حتى في الخطط “ب” خاصته. هو الآن في سنته الأخيرة في كلية الهندسة، خمس سنوات قد مضت عن تلك الغصة الأولى التي امتلكته حين تلقى خبر رفضه في كلية الطب. لم يكن صاحبنا يتخيل نفسه في مكان آخر سوى كلية الطب، لكن شاءت الأقدار وكان لها رأي آخر. مرت أيام وشهور عن تلك الغصة الأولى، وقد ذعن صاحبنا ورضي بما كتبه الله له.. واكتشف فعلا أن ما اختاره له المولى عز و جل لم يكن سوى خيرا له ولوالديه.

القصة التي بين أيديكم، ليست الوحيدة، وصاحبنا ليس الوحيد من وقع في موقف كهذا. قد تكون أنت عزيز(ت)ي القارئ(ة) أيضا قد ذقت طعم هذا الموقف من قبل وتجرعت تلك الغصة في جانب ما من حياتك، لكنك لا محال قد اكتشفت أيضا أنه خير أكرمك الله به رغم ضجرك منه في البداية.

كلما حل بنا ما لا نرضاه في دنيانا، يتخذ الشيطان مكانه، و يستعد لرؤيتنا في حالة من الجزع والسخط. لكن ما دامت أفئدتنا معلقة بخالقها، نحاول جاهدين الصبر والاحتساب. فهي أمور قد كتبها الله وقدرها ولا حيلة لنا فيها. وما هذه الدنيا إلا دار ابتلاء وامتحان، فلا بد لنا أن نبتلى تارة في أنفسنا، وتارة في أحبابنا… لكن الواجب والحل الوحيد والأوحد هو الصبر لما دهانا. يعد الله الصابرين بالجزاء الحسن في قوله تعالى :{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (سورة الزمر الآية 10).

فكيف لنا ألا نصبر ورب العباد يبشرنا؟ كيف لنا أن نضجر ونسخط بعد هذه الآية؟ دعونا نتأمل في حديث لبنينا الأمي في هذا الشأن، يقول صلى الله عليه و سلم: “عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له” المغزى من هذا الحديث الشريف، أن كل ما يقع لك في حياتك، أكان عن رضى منك أم لم يكن، فهو لحكمة ربانية لا يعلمها إلا ربك، وتحمل في طياتها خيرا كبيرا لك في دينك ودنياك. فإن أصابك ما يفرحك فهذا فضل وخير من الله، ووجب عليه الشكر، وإن حل بك ما يقرحك فهو أيضا فضل وخير كبير من الله، ستكتشفه مع مرور الوقت، ووجب على ذلك الصبر والاحتساب وعدم الجزع. فالمؤمن يتقلب بين مقام الشكر على النعماء ومقام الصبر على البلاء.

و نختم بنور من السنة، في قوله صلى الله عليه وسلم: ” المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا و كذا. ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان“.

فتذكر(ي) أخي القارئ، أختي القارئة، أن الرزق والأجل بيد الله ولن تستطيع قوة على وجه الأرض أن تنازع الله فيهما، واعلم(ي) أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. تفاءل.. لعله خير.

لعله خير

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *