الأسرة.. منطلقُ الحضارة

قبل المدارس والمؤسسات، قبل المعاهد والجامعات، قبل دُور الثقافة أو حتى الجمعيات، سيظل المصنع الأول للمشاعر والعقول والأفكار والقناعات، والمهد الأول لبناء الإنسان، هو الأسرة.
تلك البيئة الأولى التي ينشأ فيها الإنسان طفلا ثـمّ مراهقاً، وفيها يتداخل المكان والإنسان، وغالبا ما يكون المكان بيتًا والإنسان أمّاً وأباً، كل حركاتهم وسَكناتهم؛ كل أقوالهم وسلوكياتهم، كل ردود أفعالهم وانفعالاتهم، كل توجيهاتِهم وحتى أفكارهم، كانت تملأ جوف ذلك الطفل الذي ينشأ في عقده الأول فينا كيْ نفهم، ليكون بعد ذلك في مجتمعه انعكاسا لتفاعُله مع مؤسسته الأولى، الأسرة.
كلُّ الفروع لا تمتد إلا من أصل، و مهما نما الفرع وأينع، ومهما تفرّع بدوره وأثمر، فكل ما يجري في عروقه من ماء وعناصر معدنية، لا تمتد إلا من ذلك الأصل؛ فشتّان بين مَن تخرّج مِن مؤسسة كل مرافقها تتلخص في غرفة لتحضير الطعام وأخرى لأكله، وغرفة للنوم وأخرى لقضاء الحاجة، وكل أدوار الراعي فيها تتلخص في ستر جسمه النحيف ومَلْءِ بطنه الفارغ، ثم تتكلف عشوائية الظروف بملء خزّانه الفكري والعاطفي، وبين مَن كان البيت مسرحَه الأول الذي يُعبّر فيه عن نفسه، ومدرسته الأولى التي يكتشف فيها الحياة ويبني فيها شخصه، ويغذي فيها فضوله المعرفي ويصنع فيها طموحه وأهدافه وأحلامه، فكان مُجتمَعُه الأول، هو الأسرة.
لا زلت أذكر ذلك اليوم، عندما دخل علينا أستاذ جديد في حصة مادة “التربية الإسلامية”؛ كان رجلا يمشي وقد أثقل الزّمان خُطاه، يبتسِم فتتغيّر انحناءات التجاعيد على وجهه، كنتُ، حينها، في سنتي الأولى من سلك الثانوي، سألنا في أول حصة له معنا، قائلا: “ماذا جئت أدرسكم يا أبنائي؟”. مِن المقاعد الخلفية ارتفعَ صوتٌ صادح: “التربية الإسلامية يا أستاذ”، ثم سألَ الأستاذُ من جديد، “ولِمَ لا تُعَلّمونَني أنتم التربية الإسلامية؟”. ساد اندهاش واستغراب، وتهكّم تناقَلَه التلاميذ. وَقف الأستاذ، ثم تقدم إلينا فقال، “لم أكن مخطئا عندما سألتكم لمَ لا تُعلمونني التربية الإسلامية، لأن أخلاق وتعاليم الإسلام تُلقّن من أستاذيْن هما الأب والأم، خلف جدران المنازل وفي عُش الأُسَر، ليخرج الطفل من بعد ذلك سفيراً في المجتمع بأخلاقه”.
لم تكُن كلماتُ الأستاذ، يومَها، إلا تعبيراً عن جزءٍ من حقيقة صارخة، وتشخيصاً لجزء من عِلّة مستفحِلة، مفادها أن الأسرة هي المهد الأول لبناء مجتمع صالح، واعٍ ومنتج. وليست الحياة بعدها، في شكل الظروف والتجارب، إلا اختبارا لمكتسباته الفكرية والسلوكية أو تمحيصًا لها.
الأسرة مصنع الإنسان، والإنسان هو الوحدة المكونة للمجتمع، لكن اليوم، صناعة رقمٍ صعب في مجتمع صعب، مهمة صعبة، تحتاج ثورة من نوع آخَر، تحتاج جيلا يصنع وعيَه بنفسه، تحتاج عقولا تخرج من طين الكساد الفكري والانتكاسة الأخلاقية، وهِمَمًا عالية مستبشرة بغد مشرق، لا جيلا يستهلك التفاهة والفضيحة، لا عقولا مترسبة في أوحال الجهل، لا أحلاما مكبلة، وطموحات محتشمة، إن لم تكن صغيرة أو أنانية؛ حتى يخرُج من أصلابهم جيلٌ أكثر وعيا وأشدّ مناعة وأقدَرُ إصلاحًا.
نخلصُ، إذاً، إلى أن طريق البناء الحضاري، مُنطلقه الأسرة، والباقي تمحيصٌ وتحصيل..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *