ماذا بعد الثالثة والعشرين

محطة ليست كباقي المحطات

أيام ما بعد الثالثة والعشرين أيام ضبابية رعدية غائمة مع زخات مطرية حزينة في بعض الأحيان، وصف كأنه حالة الطقس لكنه حالة أيامي وأنا في مقتبل عمري.
بعد الثالثة والعشرين التي غالبا ما أربطها بمغادرة ردهات الكلية وانتهاء أيام الدراسة، فلعل هذا أهم حدث يميزها، وجدت نفسي بعدها في مرحلة أخرى، مرحلة الجد والاجتهاد والمثابرة، أيام المكافحة لتحقيق الأحلام الزهرية الطفولية رغم عواصف اليأس ورياح الإستسلام التي تطوف بي، إلا أنني دائما ما أتمسك بأشعة الأمل رغم أنها باهتة، أمل يتخطى عقبات الحياة، حياة مشحونة بسخرية مجتمع منهزم أمام الواقع.

رغم أنني لم أسمعها إلا أنني أتصورها في أذهانهم، موجزة وخريجة ماستر عاطلة، وأنا بيني وبين نفسي أجد أن هذه الصفة لا تناسبني البتة، بل العاطلة هي عقولهم التي حصرت الفتاة في مهمة جلب الفارس المغوار فوق حصانه المعطوب لتخطي قطار العنوسة.

تحولت من فتاة تحلم بغد وردي كتنورتها، إلى فتاة تسعى لتحقيق ذلك الغد أو بالأحرى تحقيق آمالها وآمال رجل كان لها سندا وفخرا، رجل لطالما رآها فتاة لا تشبه البقية، كان دوما يصفها بالذكية المجتهدة ويقول أنها حصلت على نصيب من اسمها، ذلك الرجل كان لها أبا عظيما يرفع دوما سقف أحلامها، فعلا كان ولا زال عظيما في نظرها.
أتذكر أنني كنت أنتظر بلوغ العشرينيات بشغف، لكن لم أكن أظنها مرحلة تمر بلمح البصر، وأتذكر كذلك أنني كنت في غالب حالاتي مسرورة لكنني لم أعد كذلك ولا أدري ما السبب.

أحيانا أتساءل متى مرت الأيام بل الأعوام، وأحاول أن أتذكر كيف عشتها بفرحها وقرحها، لأنه يتوجب علي أن أستفيد مما مضى فيها، وأدونه في ذاكرة اللانسيان كي يكون مؤنسا لي في ما بعد الثالثة والعشرين، في مرحلة البحث عن الذات وتثبيت الخطوات نحو المستقبل.

أهم ما استفتحت به سن الثالثة والعشرين هو سقوط الأقنعة، أقنعة ما بعد المصالح، أجل، انتهاء المصالح يعني انتهاء العلاقات والقرابات، أو ربما تكون مرحلة النضج فقط، كل يمضي في طريقه بحثا عن ما ينفع دربه، وبعد عدة أقارب صرت وحيدة بدون عقارب ويا أجملها من وحدة، وحدة نسيت معها من بخرتهم عجلة الأيام، رغم أنهم تركوا بصمة من خيبة الآمال والخذلان، إلا أن هذه الخيبات تأتي على شكل كبسولات قوة تدفعك قدما لتفادي وجوه مصفرة من الغيظ.

ما بعد سن الثالثة والعشرين
صورة تعبيرية

في طريق ما بعد هذا السن أشعر وكأنني حصلت على جرعة زائدة من اللامبالاة، لامبالاة تجاه الأشخاص والأفعال، والابتعاد قدر المستطاع من سلبية المحبَطِين المحبِطِين، كانت مرحلة مليئة بالدروس، والآن أتت فترة استخلاصها لتظهر عصارة النتائج.

ولعل ما غير مفاهيم حياتي أكثر في هذا السن هو عملي بمركز خاص بالنساء ضحايا العنف، عمل لمست فيه كل الانتهاكات والخروقات التي تطال من هن من نفس جنسي وأغلبهن من نفس سني، عنف وضرب وابتزاز وطرد وتهديد بالقتل واعتقال وأمهات عازبات حتى قبل عمر العشرين، تائهات بعد تنكر العائلة والمجتمع والذئب لهن…
فتيات تحولن من عمر الزهور إلى عمر النفور، النفور من الحياة ، غالبا سيكن قد حلمن مثلي في طفولتهن، حتى لو لم يحلمن بعمل في مكتب مرتب وبراتب منتظم يتناسب مع مستواهن العلمي، إلا أنهن سيكن قد حلمن بزواج سعيد، وزوج محترم رومانسي كما شاهدنه عبر التلفاز، لينتهي بهن الأمر أمام مستمعة مثلي لمشاكلهن، مستمعة ليس بيدها تغيير مصيرهن، بل كل ما تستطيع فعله هو أن ترافقهن إلى محامي يطلق سراحهن من الوحش الضاري الذي وقعن في شباكه، أو ترافقهن إلى طبيبة نفسية لتحل العقد التي حملتها الأيام لهن.
هل ولدن كي يعشن في عز أيامهن الذل؟

كل هذا جعلني أرفض وأكثر من ذي قبل فكرة أن الأنثى خلقت لتلبية رغبات مجتمع يحمل من العقد كل أنواعها، بل خلقت لتعيش طفولة حالمة، وعند بلوغها العشرين تعمل على تحقيقها بعزم وجد، وتنسى سذاجتها التي أوقعتها عدة مرات في الفخاخ.

حقا أتساءل ماذا هناك بعد الثالثة والعشرين، أتساءل وكلي يقين أنني أعرف الإجابة، وهي أنه هناك ظلام حالك يأتي بعده بريق شمس تخطف بصري من شدة لمعانها وتبعث الغبطة في قلبي، غبطة تنسيه كل الشقاء الذي عايشه.

فتاتي، تريثي قبل العشرين وكافحي لتحقيق أحلامك كيفما كان حجمها لتحسني عيش العشرين، فليس كل وردي ترينه هو وردي فعلا.

ماذا بعد الثالثة والعشرين

تعليق واحد

  1. تدوينة جميلة سلمت أناملك، أعطيت الصورة الحقة للمتخرج بعد تخرجه، ونظرة الناس إليه، تلكم النظرة المتشائمة التي أبدلتها بجرعة اللامبالاة وبالعمل بجد وعزم، فكالت النتيجة عدم استسلامك للواقع، والبحث عن تطلعات مستقبلية تجعل منك أنثى عظيمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *