أنا وتشيخوف

عن الكاتب والفيلسوف انطوان تشيخوف

ككاتبة أدرك جيداً أن الذاتية لا يمكن لها الانفصال عن ممارساتنا الأدبية كليا، وأنّ شيئا منا لا بد له أن يتسرب بين السطور…

وكقارئة تعشق أدب العبقري الروسي انطوان تشيخوف، أعترف أني عجزت عن البحث عنه بين شخصيات أبطاله.. رغم كون المنظور الفلسفي الذي يرعاه لا يمكن فصله عن سياق صاحبه، إذ أن كل فلسفة هي بمثابة سيرة ذاتية لصاحبها شئنا ذلك أم أبينا.

ولأنها كذلك فقد نجح كل فيلسوف في أن يخلق نفسه أخيرا وأن يتمكن من اختيار من يكون.. وهو بالضبط ما فعله تشيخوف.

وأنا أقرأ له وأقرأه.. مددت يدي له مرارا سامحة له بأن يدخلني عالم المثالية الذي كان يرسمه خياله وتترجمه انامله..سمحت له مرات ومرات بأن يملأ عروقي بإنسانيته اللامعهودة، فانسقت وراء فلسفة الوجودية التى تبناها وتعلقت به تعلق المُحِّب بمحبوبه.

لم أتعلق بتشيخوف الروائي العبقري، لكن أنطوان تشيخوف الإنسان كان أكثر أبطال رواياته جاذبية..
لو كنت عاصرته لكنت عشقته حتما! عشقت مزاجية كتاباته فلم يذكر تاريخ الأدب العالمي من يجيد المراوحة بين الكوميديا والتراجيديا كما كان يفعل؛ فقد كان يكتب أشياء مُحزنة لكنه في المقابل كان يكره فكرة أن يبكي القارئ، بل في أن يعمل على تغيير أقدار تلك الاشياء.

الروائي العالمي أنطوان تشيخوف

وأنا أقرأ سيرته، استوقفتني عبارة له وهو يجيب طبيبه الذي نصحه بوضع شيء من الثلج موضع قلبه تخفيفا لألمه فأجابه: “لا يُوضع الثلج على قلب فارغ”، إذن فقد كان يعتقد أنه يملك قلبا فارغا، رغم كونه كان أكثر المعاندين لسارتر في تبرير العنف تحت مبدأ أنّ “الأيادي القذرة ضرورية”

كيف لا وهو واحد من أهم كتاب الضمير الإنساني في العالم وأهم من دافع عن المستضعفين في الأرض.. وأبرز الكتّاب المنادين بالعدالة الاجتماعية والحرية، رغم كونه عاش طفولة مريرة وتجارب إنسانية قاسية لخصتها جملته الشهيرة وهو يحاول التخلص من آثار طفولته مُعترفا: “لقد عُوملت في غير ما شفقة وأنا طفل، حتى أنني كنت أرى الحنان شيئا غير طبيعي، إنني أُحب أن أكون محبوبا ومُحبا للناس، لكنني لا أعرف كيف أفعل هذا”..

إذن فقد تمخضتِ القسوة أخيرا فأنجبت رَبّتها: كاتباً يعُجُّ بالإنسانية والوعي بأهمية الحب في تشكيل شخصية الطفل ونحت أبعادها المستقبلية.

تشيخوف كان في الحقيقة مُحبا للناس والبشرية بشكل نادر، وكل ما كتبه كان تأملا عميقا في مأزق الوجود الإنساني.
وهل هناك محبة أكثر من ذلك؟ ولكن كونه إنسانا مرهفا، فقد توقع من إنسانيته أن تفيض منه في كل المواقف وأن تكون واضحة للآخرين في جميع الأوقات..

ويبدو جليا من خلال الرسائل التى كان يكتبها أنّ ضميره كان يقسو عليه جراء مطالبة نفسه بالمستحيل واللامحدود في أن يكون إنسانا ينضحُ على الدوام بالتعاطف نحو البشر وسائر الكائنات..

أنا وتشيخوف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *