تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب – الجزء الأول

أي دور للمحاماة والمحامين؟

انعقد الجمعة الماضية لقاء تواصلي نظمته وزارة العدل بتنسيق مع هيئة المحامين بتطوان حول موضوع دور المحامي في منظومة مكافحة جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب؛ حيث تميزت الجلسة الافتتاحية بكلمتي وزير العدل ونقيب المحامين بمدينة الحمامة البيضاء، في حين شهدت باقي محطات اللقاء عروضا من طرف قضاة ومحاميين وأكاديمين وممثلي وحدة معالجة المعلومات المالية التابعة لرئيس الحكومة.

من خلال الجزء الأول من هذا التقرير، سنسعى إلى تقديم ملخص حول مداخلة وزير العدل، بينما سترتكز باقي الأجزاء على التعريف بمقتضيات مشروع القانون الجديد ودور وحدة معالجة المعلومات المالية، وكذا رأي المحاميين بالمقضيات القانونية الجديدة .

أشار وزير العدل في كلمته الافتتاحية إلى أن عدد تصاريح الاشتباه المحالة من طرف المحامين إلى وحدة معالجة المعلومات المالية لم تتعدى 8 تصاريح، وهو رقم ضعيف جدا مقارنة مع الرقم الضخم المقدم من طرف القطاع المالي (حسب التقرير السنوي 2018 الصادر عن الوحدة، فإن القطاع المالي قدم تصاريح مجموعها 1085 تصريحا)، مما يدل على غياب التزام المحامي بدوره كفاعل في منظومة مكافحة جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب العابرتين للحدود.
مما يجعل فصول مشروع القانون المتعلق بمكافحة غسل الأموال يرتكز على القطاع غير المالي، والمقصود هنا المهن القانونية من محاماة وتوثيق وعدول وكذا مكاتب المحاسبة، بغرض تقوية المنظومة التشريعية في هذا الميدان، وذلك في إطار تشديد الجانب الوقائي والزجري تماشيا مع التوصيات الدولية في هذا المجال.
فعدم تقيد المحامين بمقتضيات اليقظة وتفعيل آليات المراقبة الداخلية وإطلاع الوحدة وجهات الإشراف بالمعلومات الضرورية ينعكس سلبا على المجهودات الوطنية الرامية إلى محاربة هذه الجريمة.

وأكد وزير العدل على أن تصنيف المغرب من طرف مجموعة العمل المالية لشمال إفريقيا والشرق الأوسط كان تصنيفا لا نُحسد عليه، وكان بإمكانه أن يتدحرج أكثر من اللائحة الرمادية إلى اللائحة السوداء لولا المجهودات الأخيرة وتحريك مشروع القانون الجنائي لغسل الأموال وتعبئة وسائل التحسيس وتعزيز القدرات.

صورة من اللقاء المنظم بمدينة تطوان يوم الجمعة 13 نونبر 2020 حول موضوع دور المحامي في مكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال

وقد نوه وزير العدل بمهنة المحاماة كمهنة إنسانية تحافظ على الحقوق وتعمل على إرجاعها إلى أهلها، وهي رسالة نبيلة تساهم في الوصول إلى الحكم العادل أثناء البث في الخصومات والنزاعات، ومن أهم قواعد أخلاقيات هذه المهنة، أخلاقيات النزاهة والأمانة الواجبة تجاه الزبون. ولكنه عاد ليؤكد أن دور المحامي لا يقتصر على إسداء الخدمات القانونية فقط، بل هو فاعل في مجتمعه ويسعى إلى رقيه وازدهاره من خلال المساهمة في تحقيق المصلحة العامة، و ركيزة أساسية لا غنى عنها في مسار بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات.

رسالة المحاماة أصبحت أكثر اتساعا وأكثر شمولية متجاوزة رحاب القضاء إلى فضاء المجتمع، وهذا ما يجعل التزامها في منظومة مكافحة جريمتي غسل الأموال وتمويل الإرهاب التزاما أخلاقيا قبل أن يكون قانونيا.
فهي مطالبة الآن أكثر من أي وقت مضى بالتعاون مع المؤسسات الحكومية وغيرها لأجل تدارك أوجه القصور في منظومتنا.

وزير العدل المغربي محمد بنعبد القادر

وأكد وزير العدل في أكثر من مرة على أن تصريح الاشتباه لا يشكل خرقا لمبدأ السر المهني للمحامي مادام الأمر لا يتعلق باختصاصاته المرتبطة بالترافع أمام المحاكم ومباشرة مساطر الإجراءات القضائية، وتأكيده هذا جاء استنادا على القرار الصادر عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان سنة 2012 والذي نص على ضرورة تفعيل دور المحامي في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن التزامات المحامي هي التزامات قديمة بمقتضى قانون 43-05 والمقررة سنة 2007، وهي التزامات محددة في الشق المتعلق بإبرام وتوثيق عقود البيع والشراء، وليست متعلقة بحقوق الدفاع والمرافعة.
فما هي المقتضيات القانونية التي جاء بها مشروع قانون 18-12 والذي سيناقش في الأيام المقبلة من طرف البرلمان؟ وكيف يمكن تفعيل مقتضياته بشكل أمثل مع استقلالية مهنة المحاماة ودمجها في هذه المنظومة في نفس الوقت؟ وأي دور تلعبه وحدة معالجة المعلومات المالية؟ وماهي الأسس التي على إثرها يعارض هذا المشروع من طرف ممتهني المحاماة؟ وإلى أي مدى تؤثر جريمة غسل الأموال على الاقتصاد الوطني؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الأجزاء القادمة…

يتبع…

تبييض الأموال ومكافحة الإرهاب – الجزء الأول

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.