تمردت .. و لكن فقدت نفسي!

أقفُ اليوم عاجزاً عن المصالحة مع ذاتي؛ فما بين مبادئٍ أريد أن أتبناها وليست لي، ومبادئ ترعرعتُ في حضنها وليست لي أيضاً، أريد أن أجد نفسي. ما بين الضفتيْن جحيمي وجنّتي، ما أنا بشيطان وما أنا بملاك.
أنا أريد فقط أن أصبح إنسانا، إنسانٌ بقيمي، بفكري ورؤيتي لهذا الكون الفسيح. فما بين اتهامات وتسفيه وتجريم من جهة، وحلم مشرق تراه من جهة أخرى، أقبعُ كحال الشباب العربي الحالم بالتغيير والحرية، شباب التواصل، أبناء العولمة، وإنتاجات الإنترنت، إنه الشباب الذي ترعرع داخل الفضيلة والمثالية المزيفة وأفسدته خيوط العنكبوت. فقد انفتح وأصبح يفكر وتمرَّدَ وأصبح يتساءل: لماذا وكيف؟ لماذا أنا أنا ولماذا الآخر آخر؟ وكيف أصبح على حق والآخر خاطئ؟ وأين نحن من كل هذا؟ ويصيح دائما لست أنا من اخترت لكن من حقي أن أتمرد.
نعم، لقد تمردَ .. أفكار لا متناهية، توجس، عزلة، اكتئاب وحرقة، محطات تصف المرارة، وفي ذاتها تحمل النشوة؛ نشوة التحرر للبحث عن الحقيقة. فقد تمرد وسُجن ما بين ذواته؛ ذاتٌ تنادي بالحرية وأخرى بالعقلانية، وذات متدينة وأخرى متشيطنة، صراع وصدام يوميٌّ ليَصطنع شخصا ويهندس شكلا، وما هو إلا منافق كحال الأغلبية. يريد أن يصبح ملاكا أو بالأحرى متدينا ولو كان حجرا فقط، ذاك المتدين الذي لدى مجتمعي أفضل من الطبيب وأذكى من المهندس وأعلى تزكية ومرتبة من ذاك العابد بالفكر والعقل.
ربما، لأن السطحية تُميّز أفراد مجتمعي أو ربما، لأن العمق يحتاج عقلا والعقل يحتاجا جهدًا ومجتمعي لم يجد بعدُ خبزا، أو ربما هناك السياسة وهناك الدين. ولك في الإثنيْن خليط أنتج وسينتج ما هو أمَرُّ وأفظع وأقسى.
لستُ هنا لأهاجم فكرا أو أتهمَ شخصاً أو لألوم محيطي. أنا هنا لأعترف، فقد فقدت بوصلتي كما فقد الشباب الضائع بوصلته، أنا هنا لأحكي مرارة العيش في عصر ما بعد تلاقُح الحداثة بالعقلية القديمة وتزامن التطور بانفلاتٍ فكري عَصَف بهذه البلاد، فانبثق التطرف وظهر اليسار وانكشف الغطاء.
وما بين من ينادي بالتغيير ويُعرّي عورتنا ومن ينادي بالجمود والإذعان من أجل الخلاص، مستغلاً حقدنا وعداءَنا للآخر، ليُسفّه كل إنجاز نفذه وفكرٍ أنتجه؛ يرقُد مجتمعي كجثة هامدة، لا هو بالحي ولا هو بالميت، ينتظر المنقذ في عصرٍ لا مكان للانتظار فيه، يتخبط في زمان إذا ما تهاونْتَ اغتُصِبْتَ، وها نحن على كل حال نُغتصب، ها هو مجتمعي يصيح لقد تمرد أبنائي وهربوا أما أنا فقد سقطَ سقفُ داري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *