رسالة من شاب مستبد إلى فتاة هجرته

رسالة بحبر الدموع

لن أستهل رسالتي إليكِ بحبيبتي فلانة، لأني لم أقلها لك عندما كان هناك وصال بيني وبينك، لذلك فبكل تأكيد لن أقولها لك بعد أن قطعته أنت بعبارة “ياريت مايبقاش فيه بينا كلام تاني”، وأرجو من كل قلبي أن لايذهب عقلك بعيدا وتظني أن كلماتي هذه بمثابة استجداءِ وٍُد حضرتك، وذلك لأن الأمر ليس كذلك، فكلماتي هذه هي سبيلي للتصالح مع نفسي ومحاولة مني لتطهيرها من الشوائب العالقة فيها، ووضعها أمام مرآة ضميري؛ وما يثبت لكِ أنها ليست لاستعطافك هو أني لا أعرف إذا كانت هذه الرسالة ستقع بين يديكِ أم لا، ولوافترضت أنها وقعت بين يديك ورأيتِ اسمي عليها، هل ستهتمين بمعرفة محتواها أم أنكِ ستتجاهلينها بعد أن علمت من خلال معرفتك بي أن تجاهلي وتجاهل رسائلي هو أقرب طريق لتهذيب ذكوريتي وكبح استبدادها!!

قبل أي شيء لا أريدك أن تتسرعي وتندفعي ببراءة كعادتك وتفهمي أن كلماتي هذه لا معنى لها، وأنها حِيلة بائس، أو قولي إذا شئتِ الذكوري المستبد الذي يريد تحسين صورته أمام نفسه وأمام فتاة ظن في بداية الأمرأنها الفتاة التي كان يبحث عنها لتكون رفيقته وسنده في الحياة، ولكن أنانيته وأفكاره الذكورية الاستعلائية استولت على كلماته من حيث لا يدري، وذلك لأني إن كنت أكدت في السطور السابقة على أن كلماتي هذه ليست لاسترضائك أو محاولة بائسة لإعادة رابطة المودة بعد أن قطعته بالعبارة سالفة الذكر، فإن تأكيدي على هذا مرجعه إلى احترامي لرغبتك التي لا أملك إلا أن أقف أمامها احتراما حتى ولو أني تعاملت معها حين أخبرتني بها بقلة ذوق، وبدلا من أن أرد عليكِ بـ “حاضر.. أنا بعتذر على أي موقف صدر مني وصلك أنك تقولي ليا الكلام ده.. بتمنى ليكي كل خير.. مع السلامة”.

لم أرد عليكِ وانسحبت في صمت، كمحاولة مني لرد ما كنت أحسبه بفعل كبريائي المنبثق من أفكاري الذكورية إهانة لي، لا رغبة يجب أن تحترم، وأن الاستجابة إليها بكِياسة وأدب، لن يمس كرامتي بشيء كما خيل لي في أول الأمر، بل كان سيريح ضميري الذي ظل شهورا طويلة يؤنبني على التعامل مع رغبتك بهذه الصورة، ولا أريدك أن تفهمي هنا أني بمجرد أن أنتهي من كتابة هذه السطور أنه سيهدأ من ناحيتك ويتركني لحال سبيلي، لأني في حقيقة الأمرلا أضمنه بربع جنيه، ولكني آمل في ذلك.

صورة تعبيرية

وعند الحديث عن البوصلة المتمثلة في ضميري، لا أخفي عليك أني حاولت أن أهدئه أكثر من مرة بوضع نفسي موضع الضحية، وصب جام غضبي عليك أنت، ووصفك بيني وبين نفسي بقليلة الذوق تارة، وبتجاهلك وتجاهل ما حدث خلال الشهور الماضية تارة أخرى، ولكني لم أنجح في ذلك، فحاولت أن أتواصل مع زملائي، ربما ينجح أحدهم في تطييب نفسك الغاضبة ناحيتي، بل والأكثر من ذلك أني حاولت أنا نفسي أن أكتب إليك، ولكن كأن هناك شيئا ما كان دائماً يحول دون ذلك، ولا أعلم أكان هذا الشيء هو أفكاري الذكورية التي كانت دائماً ما تحثني في كل وقت وحين على أنكِ موجودة دائماً، وأن أقول لكِ ما أريده في الوقت الذي أريد أن أتحدث فيه، لا في الوقت التي تكوني فيه مستعدة لسماع ما أقوله، أم أن هذا الشيء هو خوفي من أن تتعاملي معي بقسوة كما تعاملت حين قررتي أن تغلقي الباب أمام أي عودة لي للفضفضة إليك، وفي هذه الحالة فالأمرلن يقتصرعلى غلق باب العودة فقط، بل ستكون كرامتي تحت رحمتك، وبصراحة شديدة هذا ما لا يمكن أن أقبله ما دام لي في العمر بقية.

بما أني قررت منذ السطر الأول أن أتحدث بصراحة وأحاول أن أطهر نفسي، فلابد من أن أقر إليكِ الآن أني ظلمتك خلال المرات التي تعاملت معك فيها، وأني تعاملت معك في كثير من الأحيان بكثيرمن التكلف والاستعلائية، فضلا عن التعامل معك بصورة كانت كفيلة من أن يجعل الأمر يختلط عليك، ويدفعك إلى الحيرة والتساؤل هل تحتلين في قلبي موضع الحبيبة أم موضع الزميلة أم موضع الصديقة؟ فبكل أسف لم أعرف أي موضع كنت تحتلينه على وجه التحديد إلا مؤخراً عندما رأيتك على سبيل المصادفة، فحينما رأيتك اضطربت بشدة ولكني سرعان ما استعدت رباطة جأشي وأدرت وجهي عنكِ لا عن طيب خاطر كما تظنين، ولكن تحت وطأة مشاعري المتضاربة اتجاهك، ولن أستطيع أن أعرب لك الآن عن موضعك الحقيقي في قلبي، لأنه لا جدوى من الحديث في هذا الأمر الآن من ناحية، ولأني لا أضمن أن ما سأعرب عنه الآن هل هو الذي كنت سأفصح عنه إذا كان رباط الود لا زال قائماً من ناحية أخرى، خاصة في ظل التباين الشاسع في الأفكار والأهداف.

فأنا أعتقد أن الأفكار التي أؤمن بها هي مناط وجودي في الحياة، وأني إذا لم أسع لتلبية مقتضيات رسالتي لن يكون هناك ثمة فائدة من وجودي في هذه الحياة، وهذا كما تعلمين يتطلب التضحية بالكثير من الوقت والجهد والمال إن استطعت إليه سبيلا.

هل جربتِ مرة أن تتخيلي نفسك مكان أناس خلقوا في الدنيا فوجدوا أنفسهم في أتون المعاناة؟ هذا السؤال طالما كنت أود أن أسأله لكِ ولكن دائما ما كنت أخشى من أن تفهمي أني أقصد به تنميق ذاتي، ولكني أنا الآن أسأله إليكِ بعد أن تعريت أمامك بكل عيوبها وتناقضتها ومخاوفها.

أقسم أن هذا السؤال ليس من قبيل المزايدة عليكِ، فأنا أعلم أنكِ طيبة القلب والسريرة، حتى وإن كنتِ تتعاملين بقسوة في أحيان كثيرة، ولكني أقول لكِ هذا حتى تشعري بما أشعر به حينما أجد نفسي بصورة لا إرادية مكان أنُاس في معاناتهم.

أعلم أن القدر سيسوقني إلى من يشبهني كما سيسوقك إلى من يشبهك في يومٍ ما، بعد أنا سلمت له وتركت الأمرإلى مشيئة الرحمن، لأني عندما بحثت عن الرفيقة بعد فراقك اكتشفت أن الأمور لن تسير كما تشتهي نفسي، فقد نعتقد للوهلة الأولى أن هناك من الأشخاص ما يشبهنا، ولكن عندما نتحاور معهم نكتشف أن بيننا وبين بعض مسافة بعيدة من الناحية الفكرية ومن المستحيل أن يحدث بيننا تلاق في الأفكاريوم ما.

أعرف أن أطلت عليكِ “عادتي ولن أشتريها”، ولكن أعتقد أيضاً أني الآن أفصحت عما يعتلج في صدري، لعلي أجد الراحة في ذلك، وأكون قد طهرت نفسي من أي آثم صدرمني ناحيتك، وتكون هذه السطورهي الختام الذي كنت أتمناه في الحديث معكِ، لا الختام الذي قررته أنتِ بإرادتك المنفردة، والذي لا أستطيع أن ألومك عليه لسبب بسيط هو أني (أستاهل) أن يحصل معي أكثرمن ذلك، لأنني تلاعبت بمشاعرك في وقت من الأوقات دون أن أقصد، لذلك لا تثريب عليكِ أنتِ، ولكن كل اللوم يقع عليّ أنا، لا لأني أوصلتك إلى مرحلة جعلتك تقولين لي عبارتك الباترة، ولكن لأنك أجمل من أن تغضبي بسببي أو بسبب غيري.

رسالة من شاب مستبد إلى فتاة هجرته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *