الولادة الجديدة

لغز طبيعتنا البشرية.

حياتنا العادية في أحسن الأحوال هي حياة روتينية مُملة، نلعب فيها دور الرجل الآلي بمهارة.. فيومياتنا تنحصر بين النوم والاكل والدراسة والعمل والكثير الكثير من الخوف والملل.. وعلى هذا الحال يمّر بنا العمر.. وهذا هو السبب الذي يجعلنا ننتقل فيه من مأساة إلى أخرى دون وعي..

لكن ماذا يحدث لو أن كل واحد منا استفاق فجأة ليقرر أن يكون إنسانا “جديداً” ويبحث عن ذاته بين كل هاته النمطية والآلية التي أثقلت كاهله؟

إن أول ما يجب على المرء إدراكه في رحلة البحث عن نفسه أن لا وجود “لأنا” وحيدة داخله وأن الإنسان يتحول لا شعوريا من أنا إلى أنا حسب المواقف التى يمر بها..

وبالتالي، فإن أول خطوة في طريق التغيير هي التعرف على الأنات الموجودة داخله، ومن ثم محاولة حصر الأنا الفاشلة والكسولة المتخاذلة وتلك المُصرّة على كلمة “مستحيل” و “لا” وإطلاق العِنان للأنا القوية، المتفائلة والمتحدية..

و يعد تعدد الأنات داخل النفس واحدا من أكثر ألغاز النفس البشرية غموضا، وهو ما يفسر تقلب المزاج بشكل مفاجئ، وتغير الرغبات اللامتوقع، وعدم القدرة على المواصلة في قرار كان قد تم اتخاذه في محاولة فاشلة نحو التغيير، ويعود ذلك إلى أن الأنا المتسببة به قد عادت لتسيطر من جديد بعد محاولة اقصاء فاشلة لم تدم كثيرا.. هو الصراع المعروف ب “من أنا بالفعل وما أحتاج لاكونه حقا”؟.

فيعود الصراع من جديد وتعود النفس لتجدها غارقة في نفس الدوامة ونفس المعاناة.. خصوصا إذا ما لعبت التجاذبات الخارجية أو ما نطلق عليها إسم “الظروف” لعبتها المعتادة في إثباط العزيمة وإضعافها..

لكن لا داعي للقلق فالحل دائما يبقى موجودا…

أن تكون على دراية بتعدد هذه الأنات ثم مراقبتها كيف تتداول على التحكم فيك وكيف أن لكل واحدة منها أن تمثل حقيقتك بل أن تمثل كل الضغوطات الخارجية الممارسة عليك فحسب، من شأنه تحسين حالك لا محالة.. ثم أن المواصلة في مراقبة تلك التغيرات الحاصلة معك جراء تناوب الأنيات في التحكم فيك من شأنه مساعدتك في السيطرة على نفسك بشكل تدريجي ومن ثم القدرة على إلغاء كل ما من شأنه إعاقة “ولادتك الجديدة” وانطلاقك نحو عالم من الحرية اللامشروطة.. ذلك العالم الذي تكون فيه أنت “نفسك” دون الاضطرار إلى الإنعزال والخوف وانعدام الثقة بالنفس التى ستستبدلها لاحقا بتقبل غير معهود لذاتك.. ومنه التصرف بحكمة في علاقاتك الإنسانية والاجتماعية والسير نحو تحقيق توازن كلي في مختلف أصعدة الحياة..

وهنا بالذات ستختلف نظرتك للمشاكل اليومية، وستزحف بالتدريج نحو الهدوء والاسترخاء.. بعدها لن تضطر لمحاربة الحياة.. لن تحس نفسك في مواجهة دائمة معها، بل ستعيشها بمتعة.. وستنظر للخسارة على أنها ربح والى النهايات المؤلمة على أنها بدايات جديدة والى الأحزان على أنها فترات اضطرارية مؤقتة لكسر الروتين ليس إلا..

الولادة الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *