سوريا تتعدد بها التسميات والهرب واحد

تعتبر سوريا بمثابة الحالة المثالية لإسقاط مفهوم “الثورة”، حيث اجتمع بها شظايا الفشل السياسي مع تداعيات الإخفاق الاقتصادي؛ ففي هذه الدولة الغنية بالموارد البشرية –فيما سبق– يعيش أكثر من 30 في المائة تحت خط معدل الفقر وفق ما كشفت عليه التقارير الرسمية، مما جعل الغضب يشتعل في قلوب السوريين، وينتفضون همة نحو البحث عن تغيير للوضع القائم، فكانت النتائج ما لا تحمد عقباه، فأخذ الشاب السوري يدخل في غمار مسار مزدوج ما بين بناء أمل في الوطن، وبين البحث الجدي عن ملجأ آمن غيره.
إثر الحديث عن نموذج العقول السورية، فنحن بصدد الحديث عن وجع من نوع آخر قائم بذاته، فالأمر هنا وبعد عام 2011 بالخصوص، لا يتعلق بهجرة أو مجرد رغبة عادية في السفر نحو بلاد أكثر تقدما، ولا يتعلق الأمر بتحقيق الذات والبحث عن ملاذ يستوعب قيمة الشواهد العليا؛ بل نتحدث عن هرب من الموت وتهجيرٍ بفعل ويلات الحرب والرصاص، فالوطن السوري الذي كان في ما مضى مهدا للحضارة الأدبية والثقافية والعلمية، بات اليوم ساحة معترَك سياسي، فتحطم به العمران وتحطم معه الأمل في صناعة دولة قادرة على احتضان مواردها البشرية والاستفادة من عقولها. هنا، يمكن استحضار كتابات “فرانسوا فوريه” بعد الحرب العالمية الثانية حيث كتب مقالا بعنوان “تيه المثقفين بعد الحرب العالمية الثانية”، وكذلك كتبَ “مالك بن نبي” عن “تيه المثقفين الجزائريين بعد الثورة”. الآن ربما نعيش الأزمة نفسها لكن بنسب أكثر خطورة، فما تعيشه سوريا اليوم أشبه بدمار شامل، ما عاد معه السوري المثقف والحامل للشواهد قادراً على البقاء، وأصبح النظام السوري كالوحش المستبد الذي يصعب ترويضه.
أصبح الشاب السوري يحمل لقب “لاجئ”، وهي التسمية التي تحمل في طياتها ويلات الانكسار والحاجة إلى المساعدة، ليصبح مجرد رقم في الجداول والتقارير الدولية. فبسبب تزايد وتيرة العنف وشدة الاضطرابات، وتنامي الأوضاع غير المستقرة، لم يجد أمامه سوى سبيل الهجرة أو كما يمكن التعبير عن الظاهرة بمصطلح “التهجير”، حيث إنّ الشاب السوري المثقف حين ترك وطنه وراءه، واستفاض رغبة في بناء وضع مستقر، كان مضطرا لا راغبا، كان مجبرا لاختيار طريق الهرب من العنف والرصاص، والنظام المستبد. سوريا باتت ملاذا لأفكار التعصب ونشر العنف، فمن البديهي أن الإنسان لا يختار بمحض إرادته ترك موطنه الأم، بأن يكون لاجئا سواء سياسيا أو إنسانيا، لحمولة هذه الكلمة بمعاني التبعية للغير، أوَ لمْ يقل يوما أوريبيد :
 
“ليس ثمة في العالم ما هو أشد وطأة على الإنسان من أن يفقد وطنه الأم”
 
كلما سارعت الأنظمة السياسية في الوطن العربي لتُماطلَ في تحقيق أبسط متطلبات العيش الكريم – من تعليم ذي جودة عالية، وفرص عمل تضمن تقدير ما يحمله المواطن من شهادات عليا – كلما سارع مواطنوها إلى تهجير أنفسهم منها، منساقين نحو بناء فلسفة للرحيل، منسلخين من بطشها وظلمها. فالوطن أم، لكن بعض الأمهات قاسيات، تجيد رمي أبنائها في حضن الغير، فينتفع الغير، وتظل هي تكابر جرحها إلى أن تنهار بجهلها، إذ إنّ الزيادة في هجرة الكفاءات العربية يشكل بالفعل تهديدا لبناء دولة ذات مجد حضاري.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *