رسالة ميت ..

حسناً.. دَعْني أقصّ عليك ما أعيشه أنا وثلة مِمّنْ هم أقراني.. في البداية، دعني أعرّف بنفسي؛ أنا إنسان.. عُمري عشرون سنة ونيّف.. حاصل على عدة شواهد في تخصصات لا داعي كيْ تعرفها. أعيش خلف ظل بقعة تسمى “الوطن”. بفطرتنا كل مَن وُلد، ولد محبا لوطنه وأنا كذلك أحب الوطن لحد الموت في سبيله. وكما جرت العادة كل وطن يقوده أكفاء، لكن لا زلت أتساءل هل من يقودنا كفؤ.. تمهّلْ قليلا ودعني أعود بك وبالزمن إلى الوراء. 
عائلتي لا هي بالغنية ولا بالفقيرة ولا بالمتوسطة، وكنت أنا اﻷمل. سُمِّينا بهذا الاسم؛ ﻷننا مستقبل البلاد ونحن من سندفع بها إلى الرقي. كل عائلة كان لها شخص يلقب باﻷمل؛ هناك مَن حملوا هذا اﻷخير جاعلين منه مسؤولية على عاتقهم، ومنهم من تركوه خلفهم وذهبوا بعائلاتهم إلى الحضيض.. كنتُ منتميا للفئة اﻷولى. بدأتُ الدراسة، وبدأتْ حملة تحقيق ما نَقشْتُه في دماغي تحت مسمى “الحلم”. يومًا بعد يوم أخُط تفاصيل ذاك الحلم بقلم حبرهُ عزيمةٌ لا متناهية … لم يكن اﻷمر صعبا بقدر ما كان سهلا إلى حد المرح. يوماً بعد يوم، أقترب خطوة بخطوة لمعانقة ما أريد أن أكون عليه؛ تدرّجتُ في سلم الدراسة درجة درجة.. حُزت أول شهادة بدرجة جيدة لا يمكن معها لأي مدرسةٍ أن ترفضني … لكن ما كان يزعجني هو هجرة العديد من الناجحين وخاصة الفقراء منهم هجرة سرية. حينها، قلت في نفسي: “لماذا كل هذا؟”. 
على كل، كدّستُ سِجلّي بالإنجازات. والآن حان الوقت كي أمنح الوطن كل ما في كينونتي … أعددت ملفي وخرجت لساحة المعركة … لم أترك شركة إلا وقصدتها … أي مكان يمكنه أن يُشغّلني ذهبت إليه لكن.. 
مرت الأيام، وبدأ القلم يجف. كل شركة قصدتُها ألقى الجواب نفسه؛ قد يسرك في بادئ الأمر “اذهبْ، سنتصل بك فيما بعد”، ولكن خُيل إليّ أنه قال: “أنت فقير؟ ليس لديك أيّ معارف في المجال؟ لا مال لديك؟ اغرُب عن وجهي وإلا بصقت عليك! “حسنا دعني أقُل لك إني أدركت كل مطب، وأفل علي أن هذا الوطن يخفي الكثير.. عند الأضواء والإعلام يتقمص دور الوطن الجميل والآن أسدل الستار عن ماهيته. حقا أحب الوطن لكن مسؤوليه لعينون.. ربما، ستُحاججني قائلا: هناك من نجحوا في مسارهم رغم كونهم أبناء الشعب فقراء.. حسنا إليك إجابتي: كم عدد هؤلاء الذين نجحوا مقارنة بعدد الفقراء الذين انتُهِكت حقوقهم؟ واحد من ألف؟ وكم من غنيّ زيّنت له نفسه أن يُرشي كي يشغل منصبا لا حق له فيه؟ ألف من ألف؟ نعم هذا وطني حيث نعيش، لا ديمقراطية ولا ديكتاتورية. هذا وطني حيث المتفوق ينهب حقه والراشي اللعين يختلس أمام الأعين، هذا وطني حيث إذا طالبتَ بحقك تُجازى بالسجن أو تُطرح أرضًا.. هذا وطني حيث إذا قلتَ الحقيقة أماتوك. هذا وطني حيث الكل يحب الوطن، لكن يمقتون أكابرهم للحد الذي لا حد له.. هذا وطني حيث يأكل الطالح حصة الصالح. هذا وطنٌ مسؤولوه ميكيافيلِـيّون. 
هل تعلم، أنا الآن لست في الوطن؛ أنا في زورق يتجه بي إلى المجهول … اشتقتُ للوطن وخبز الأم. نعم اشتقتُ لكل تفاصيل وطني رغم أني لم أفارقه إلا لأيام. ولا أخفي حقيقة أنهم سيبحثون عني كي يصفوني بما أنني تكلمت أنا الآخر عنهم وأظهرت لك حقيقتهم التي تعرفها سلفا.. لكنني ذاك الإنسان بعُمر العشرين سنة ونيّف، أريد أن أعترف لك أني ميتٌ الآن، بينما أنت تقرأ؛ فهذه رسالة بعنوان “رسالة ميت”. لكن كما قال لطفي بوشناق “خُذوا المناصب والمكاسب لكن خَلّوا لي الوطن”. أنتم الآن أدرى بحقيقة الوضع وأنتم القادرون على تغييره. وعلى الأرجح أنني الآن مجرد جثة هامدة في قاع المحيط، وهذه هي رسالتي لك!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *