في الرد على عصيدة التنوير

شاهدت كغيري من المتابعين حلقات التنوير للأستاذ القدير أحمد عصيد المنظر للعلمانية بالمغرب، و الذي برع في وضع الأصبع على الجرح و تشخيص مكمن الداء، لكنه لا زال قاصرا على وصف الدواء، كما أن التهجم على النظم القائمة و المعتقدات والأنماط الإجتماعية السائدة وتناولها بالنقد والتحليل لا يعد مشروعا في حد ذاته وإن كان مرحليا لا بد منه.
يعيب عصيد على المسلمين التفاتهم إلى الماضي والعيش على ذكرياته والتماس الحل لمشاكلهم في الرجوع إليه، ويعتبر أن هذا من بين أسباب انحطاطهم وتأخرهم عن الأمم، بينما يلخص حله السحري ووصفته لدخول العصر في العلمانية وحقوق الإنسان، ولا يدري بأن حله أيضا ينهل من الماضي القريب وبالضبط من عصر الأنوار، ولا أدَل على ذلك من عنوان الحلقات والمفردات والشعارات، وهنا أود الإشارة إلى أنه إذا كان المسلمون يلتفتون إلى ماضيهم بدافع الفخر، فهو أيضا يلتفت إلى ماضي الغير، لكن بدافع الدهشة والانبهار. فالمسلمون على الأقل معجبون بماضيهم و نتاج حضارتهم البائدة، بينما هو مفتون بماضي الغير ونتاجه الحضاري، ولا يفتئ يردد محفوظات الغرب ويتغنى بموشحاتهم التي حفظها عن ظهر قلب، ويتفاخر بنظرياتهم كأنه هو من وضع أسسها دون أن يفهم روحها وجوهرها، فكان بذلك كالصلعاء التي تتباهى بشعر جارتها الطويل.
صحيح أن السيد عصيد يتمتع بقدرة هائلة على التحليل مكنته من استيعاب البنى الفكرية والاجتماعية لدول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، ويمتلك آليات التفكيك ووسائل الإدراك التي خولت له الوقوف على أوجه التناقض بين العقائد والممارسات داخل هذه المجتمعات، لكنه درس هذه المشاكل انطلاقا من النسق الفكري العلماني، ليعود فيقترح العلمانية كحل واضعا بذلك العربة أمام الحصان ! بمعنى آخر أن عصيد لم يقم بدراسة مشاكل هذه المجتمعات وبعدها توصل إلى نمودج العلمانية كحل، بل العكس، فوقع بذلك وكغيره من المثقفين ذوي نزعات الاغتراب، في نفس المحظور، حيث فتحوا أعينهم ليجدوا حضارة في أوج ازدهارها فانكبوا على دراسة نظمها، بعدها عادوا ليحللوا مشاكلنا على ضوء هذه النظم، متناسين أنهم يظلون سجناء نظريات الغير، وأن هذه الأنساق الفكرية التي درسوها تفرض عليهم الحيز الذي يمكن لهم أن يفكروا داخله، فلا يظهر لهم أي حل خارجها.
نعترف بكل وضوح بنجاح النموذج العلماني والدولة الحديثة ونظام الديموقراطية وحقوق الإنسان في بلدان الغرب، ولكن يجب علينا أن نعي الحقيقة التالية، بأن أسباب النجاح لا تكمن في النموذج بذاته بقدر ما تكمن في روح العصر ودينامية المجتمع الذي كان يرزخ تحت نير الاستبداد السياسي والاقتتال الديني، فتولدت بذلك تحت الحاجة الملحة، نزعات الخلق والابداع، وابتكار النظم وتطوير النظريات والنماذج وتوظيفها في صياغة تعاقدات أفضت إلى التعايش السلمي ووقف حرب الكل ضد الكل، فازدهر تبعا لذلك الإنتاج العلمي والتكنولوجي، مؤذنا بثورة صناعية فتحت شهية هذه البلدان نحو التوسع والهيمنة وبسط النفوذ، منتقلة بذلك إلى مستويات عليا من القوة والتقدم والرفاهية.
ربما يعي الأستاذ عصيد جيدا أنه لا يمكن اقتطاع جزء من حضارة الغير، ومحاولة استنباته داخل بيئة مغايرة لأن هذا الإجراء محكوم عليه بالفشل، كما يأتي في غالب الأحيان بنتائج عكسية، وكما قال المؤرخ الشهير أرلوند توينبي في كتابه العالم والغرب: إن كل حضارة مثل كل طريقة حياة، هي كل لا يتجزأ، أقسامها متداخلة بعضها ببعض، إن أي عنصر حضاري منعزل يمكنه أن يصبح فتاكا عندما يكون منفصلا عن النظام الذي كان جزءا منه، خاصة إذا ترك المجال أمامه حرا في وسط جديد، أما في إطاره الأصلح فإن هذا العنصر الحضاري لا يستطيع أن يحدث أضرارا لأنه يكون جزءا من كل.
لا يجب على السيد عصيد أن يزايد على المسلمين بكفاياته التحليلية ودراساته المعمقة وثقافته الواسعة، كما أن شطحاته الفكرية لا تنطلي إلا على الأميين ومحدودي الفكر ممن يعجزون عن فهم مزاج الحضارات وقانون نشأتها وتشكل فسيفسائها.
و قد ذهب الأستاذ إلى أبعد من ذلك عندما نزع طابع الحضارة عن تاريخ الإسلام، ولخصه في مجرد مد عسكري وحركة امبريالية تمددت بالسيف وانتشرت بالإرهاب، فكان برنامجه بذلك حلقات تزوير أقرب منه للتنوير. و من هذه المنطلقات نقول للأستاذ كف عن تسفيه تاريخنا وأمجادنا، و ضرب مكتسباتنا، فنقدك أقرب للهدم منه إلى البناء، وإن كنت تدعي العقلانية وكانت لك غيرة على شعوب المنطقة كما تقول، فعليك نهج حوار يخلو من الغرور والاستعلاء، مع الفئة النيرة من العلماء ونهج إصلاح يرمي إلى تطهير المنظومة الدينية من الخرافات التي ألحقت بها، وتأويل النصوص تأويلا يتناسب مع متطبات العصر، و يشيع قيم الحرية 
والسلم والتعايش، وتقبل الإختلاف والتسامح والإخاء، وصياغة خطاب ديني يحض على النهوض ومواجهة الفساد والإستبداد، والسعي للإنعتاق والتحرر من رِبْقة التبعية والخروج من تحت عباءة الغير.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *