رحلة الزمان والمكان

“لمَ عليه أن يزور هذه البلاد الجميلة في مناسبة تعيسة كهذه؟ لو كان الأمر بيده لسكن فيها بعد أن سكن إليها منذ أمد”. هكذا كان يفكر حين استوطن المقاعد الخلفية لسيارة أبيه التي قادها صديق والده تلك المرة، ككل المرات التي يؤلمه فيها ظهره؛ قرر الذهاب مع الوالد لأنه واجب العزاء.
ما الذي فعله قبل مغادرة المنزل؟ لا شيء تقريبا، عدا حمل مذكرة وبضعة أقلام تحسبا لنوبة كتابة مفاجئة. 
أثناء الطريق، واصل النظر عبر النافذة مراقبا كل شيء؛ السماء المظلمة، مصابيح الشوارع، المارة النادرون، السيارات التي تسبقهم مثيرة سخط السائق -سي التهامي- الحَمَام العائد إلى دياره بعد سفره مرغما رفقة مربيه إلى موقع الانطلاق الذي غالبا ما يكون مدينة أكادير، عائلات ترتاح على جنبات الطرق، الحافلات المتداعية التي تُقِـلُّ الناس لتوصلهم إلى وجهاتهم، والتي كانت قد أوصلت عمتيه زهرة وفاطمة وابنتها سناء قبل يوم إلى وجهتهم نفسها، وهي الحافلات نفسها التي أعلن سائقوها إضرابا حينما قررت زهرة -عمته الصغرى- أن تعود إلى منزلها في مدينة سلا.
توقفوا لأخذ استراحة، افترش العشب وهو يأكل ويراقب رفيقيه يصليان، كان ظل شجرة الكريتوس عظيما، يذكره بشجرة لم يعرف أبدا فضيلتها، وُلِدَ حين كانت تُظلل المنزل؛ منزلهم القديم بحي الانبعاث، ولم تعد تفعل، رحلت مع رحيل صاحبها ! تذكرَ تمسُّك الجميع بتلك الشجرة، والرائحة التي تنبعث منها كل ربيع، والأزهار الصغيرة التي ما كادت يوما أن تحمل نملتين معا، تلك التي تغطي الرصيف الذي يقابل المنزل. ابتسم لكل ذلك فيما كانوا يعيدون ما أخرجوا من السيارة إليها.
وصلوا بعد ساعتين من ذلك أو أقل، وصلوا دوار “بير كوات” أو بئر كوات إن أردنا إعرابها. كان المكان جميلا هادئا، بسيطا كقاطنيه، وهم قلة في كل الأحوال.
لمح آثار الموت من بعيد، كانت جنازة “الخال العربي” قد أوشكت على الانتهاء، الرجل “الضَّحُّوكي”, هكذا عُرِفَ عنه، وعَرَف هو عنه قليلا حين جالسه مرة في إحدى زياراته النادرة للمدينة.
لبث مليا، ثم استجمع نفسه ليؤدي واجب العزاء.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *