نظرة مسبقة

كل ما تذكرته وأنا نائم في قبري هو أني لم أتذكر أي شيء، فتلك الأشياء يعلمها
الخالق وحده، فتحت عيني فوجدت نفسي في دار المسنين أشارك الناس قصصهم
وأحزانهم…كنت نحيف البنية، أصلع الرأس مجعد الوجه، لحيتي مزيج للونين الأبيض
والأسود تتخللهما شعيرات شقراء تذكرني بأيام طفولتي، حتى عيناي الخضراوتين حدث
معهما اضطراب في الرؤية وغطتهما نظارتي التي تحتوي على زجاج غليظ السمك…عاصرت
هناك جيلين بعقليات مختلفة لكن النتيجة واحدة: قضاء ما تبقى من العمر في ذلك
المنزل الثاني
كان الشيء الوحيد الذي أرهبني وغير مساري وطريقة تفكيري هو موت أمي الذي لم
أستوعبه إلى الآن، كيف سأفعل وأنا الذي تربطني بها علاقة قوية، لن أصفها لكم فالأم
هبة ربانية مليئة بالحب والمشاعر تجسدت في هيأة إنسان…لم يتبقى من عائلتي
الصغيرة إلا ابنتي التي تبنيتها وإخوتي الذين شقوا طريقهم نحو النجاح ، وها هم
الآن يحصدون كل ما زرعوه من خير وتضحية ومثابرة وكفاح، لديهم أبناء وأحفاد زرعوا
فيهم حب القراءة وحب الخير للٱخرين وكأنك كما تدين تدان، لا شك أنهم راضون عنهم
وفخورون بذلك لأنهم سيتركون ذرية صالحة لن تفسد المجتمع…الأكيد أنكم تتساءلون
لماذا أعيش في دار العجزة وأنا أحظى بهذه العائلة الكريمة…هي مسألة اختيارية ليس
إلا، حتى الآخرون هم عائلتي وأصدقائي فجميعهم يحبونني ويشاركونني قصصهم وٱلامهم،
منهم من خانته صحته ، من شردته زوجته ، من تجاهله أبناؤه بحجة الشغل، من وجد نفسه
بدون مأوى، من شرده أهله دون رحمة ومن قست عليه الحياة ولم تترك له خيارا
ٱخر…أما قصتي أنا فقد كنت صاحب تلك الخيرية، فهو حلم راودني منذ الصغر فوفقني
الله في تحقيقه، لم أخبرهم بأي شيء كي يحسبوني واحدا منهم ويتقاسموا معي مشاكلهم
الكبيرة والصغيرة، لأرى من ماذا يعانون وماذا يريدون…عشت هناك سنين طويلة فكم من
شخص توفي بين يدي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة وهمه الوحيد ان ينطق بلسان فصيح
“أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله”. أناس بسطاء
وأتقياء لا يريدون أي شيء سوى من يصغي لهم ويحس بهم فقط
من كثرة ما عشت تلك الأجواء لم يعد الموت يخيفني، بالعكس كنت أريده وكان طلبي
الوحيد من الغفور الرحيم هو أن ألتقي بوالدتي هناك لأني اشتقت لملامسة يديها
الناعمتين ورؤية تفاصيل وجهها البشوش، اشتقت لحضنها وحديثها، لحبها وحنانها،
لعطفها وكرمها، لضحكتها وحزنها، اشتقت لكل شيء فيها.. من لديه ام فليعتني بها ولا
يخف ولا يحزن فهو يمتلك الحياة بأكملها…سميت تلك الخيرية “خيرية
الكرامة”، اخترت هذا الإسم لأن امي كان لقبها ” كرامة ” فكانت هذه
هديتي لها بعد رحيلها. سأموت أنا ويبقى اسمها مرفرفا هناك في سماء الخير لعلها
تجني بعض الحسنات من ذلك العمل، لن نفترق وسنواصل الطريق معا
..
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *