وحوش آدمية

عن البيدوفيليين

خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان على فطرة سليمة، خالية من كل حقد وكره وبغضاء، كما خلق جل علاه الخير والشر وشرح مآل ومسار كل منهما، فالخير طريقه معبد بالمسرات حيث السكينة والطمأنينة، حيث السلم والسلام، حيث الحب والأمل، على نقيض الشر الذي تكسوه الأشواك، وتملؤه الأحزان، كيف لا وهو طريق أسود اللون قاتم الرؤيا…

وبالرغم من أن كلا الطرفين واضحَا الوجهة، إلا أن الإنسان مازال يتخبط بين المسارين، ورغم إدراكه للنتائج فإن جهله بالقيم والمبادئ الإنسانية يجعل منه وحشا آدميا، يدرك الخير لكن غريزته تؤول إلى الشر، ولعل أبرز مثال عن ذلك تلك الفئة من البشر -التي يلزمنا حذف الباء من المصطلح لنلمس حدته بوضوح- مغتصبي الأطفال، أولئك الذين يفتقدون الى أبسط معاني الإنسانية، الذين سلموا أنفسهم لزمام الحقد والسوداوية، فضلوا تكسير أجنحة الطفولة بدل إرضاء غرائزهم في وجهات مشروعة، اقتحموا عالم الأطفال البريء وكسروه، شطروه إلى أشلاء، جعلوا من كائنات ضعيفة لاذنب لها إلا أن حظها العاثر وضعها في طريق أشخاص غير أسوياء، نال الكبت والحرمان منهم؛ براعم صغيرة لا تعرف التحليق وجدت نفسها مضغة سائغة في فم وحش متمرد، فاقد لأبسط معاني الإنسانية.

ولكن السؤال المطروح والذي يجول في ذهن كل عاقل هو كيف لهذا الشخص الخير بطبعه، الذي خلقه الله على الفطرة السليمة أن يقترف مثل هذا الفعل الشنيع؟ كيف له أن يتجرد من كافة عبارات الانسانية، وينسلخ من وطأة الضمير؟ كيف وكيف وكيف…؟


لعل أبرز اعترافات المجرمين تجوب حول تعرضهم للاغتصاب والذل والحرمان، يبررون أفعالهم بتجاربهم المؤلمة، لا أدري ما الهدف من هذه المبررات الفارغة، كيف لك أيها الوحش أن تحرم طفلا بريئا من الحياة الطبيعية كسائر أقرانه لمجرد أنك كنت ضحية وحش آخر؟ كيف لك بهذه العقلية المريضة أن تسلب طفلا أو طفلة شعور الأمان؟ كيف لك أن تحطم جدار الدفء والسكينة على أولئك الأطفال؟ ماذنبهم؟ ما الذنب التي اقترفوه بحقك؟ كيف لك أيها الوحش أن تغرز سكينا في قلب أم وتحرق قلب أب على طفله؟
أسئلة جمة تطرح نفسها ويأبى الوحش المجرم الإجابة عنها، لأنه يجهل الجواب، فلا جواب يغني ولا تبرير يشفي هذا الفعل الشنيع الذي بلغ من الحقارة ذروتها.

ولعلي أتذكر قصة طفل تذيب القلب وتقتحم الوجدان، برعم صغير كان ضحية وحش آدمي، طفل لازال في ربيعه السابع، كان يقطن في قرية بعيدة عن مكان تواجد المدرسة، كان يحارب يوميا الطرقات الوعرة ليحقق حلم والديه وينير عقله.
إلا أنه وفي يوم غير متوقع، وبينما هو عائد كعادته من مدرسته يترنح من طول الطريق ووعورتها، منتظرا لحظة الوصول بفارغ الصبر كي يجد نبع حنانه تنتظره محضرة له مايحبه لكي يقتات، ويرتاح من تعبه، فإذا بثعلب أنيق المنظر، يركب سيارة فارهة، يعترض سبيله مقترحا عليه مساعدته في الوصول إلى وجهته، فكر الطفل هنيهة وانصاع إلى طلب ذاك الثعلب، لم يكن يعلم المسكين أن ذاك المسار لا رجعة منه ولا فرار منه إلا إليه، فصعد ذاك المسكين السيارة وإذا بأبوابها صفدت عليه، وكشر الثعلب عن أنيابه وأبان عن هدفه ومغزاه، ذهب به الى مكان مهجور حيث لا طائر يطير ولا سائر يسير، وكلما ابتعد ذاك الذئب كلما سيطر شعور الخوف على الصغير، حطم شعور الخوف أحشاءه، بدأ بالصراخ والبكاء راجيا إياه أن يتركه ويغض الطرف عنه لكنه أبى، فكيف يا صغيري أن تعتقد مجرد اعتقاد أن بإمكان دموعك البريئة أن توقف هذا الوحش الثائر، بل زادت من جبروته وطغيانه وضربه حتى سقط مغشيا عليه، وسار به إلى الوجهة التي خطط لها، فسلب منه طمأنينته، أمانه وأحلامه، سرق منه فرحته، أخذ منه كل شيء، ولم يترك له سوى اللاشعور.

صورة تعبيرية

نهض البريء فوجد نفسه غارقا في دمائه، حاول الهرب فما كان للذئب إلا أن سلب منه آخر ما تبقى لديه، ألَا وهو الحياة؛ مات ذاك البريء وظن الوحش أنه سينجو من فعلته، لكن هيهات ثم هيهات، تالله حق المظلوم لا يضيع، فقد تم القبض عليه وبمجرد أن دخل السجن مارس السجناء عليه أضعاف ما فعله بذلك البريء، ووضعوا حدا لحياته التي لا يستحق أن يعيشها، وهنا انتهت محاكمة البشر، وبقيت المحكمة الإلهية التي ترجع الحقوق إلى ذويها بكل عدل ومساواة.


قصة هذا الطفل وأطفال آخرين حرموا من الحياة تحت أيادي وحوش يملء الشر أغوارها، حيث لا ضمير ولا إنسانية ولا مبادئ، لا إيمان ولا تقوى، إيمانهم الوحيد هو أن عليهم إرضاء غرائزهم الوحشية بأية طريقة مشروعة أو غير مشروعة، أشخاص تكسوهم العقد والفجوات، ممتلؤون بالحفر والثقوب في الداخل، عبارة عن حشرات تناوب المجتمع على اعتراض طريقها وتحطيم وجودها، فما كان لها إلا أن تنتقم عبر تدنيس روح بريئة لاذنب لها لا من قريب ولا من بعيد.

نصيحة أبدية لكل رجل وامرأة، زوج وزوجة، جد وجدة، خال وخالة، عم وعمة، لكل من يتحمل مسؤولية طفل، ليكن هدفكم تنشئة طفل سوي، ربوا أبناءكم على الشموخ والكرامة، على العنفوان وقوة الشخصية، حافظوا على كينونة أبنائكم ولا تجعلوهم يتلقون معاملة دونية من أحد، لا تتركوا المجال لأحد لإهانتهم والتقليل من شأنهم، اسمعوا منهم وحاوروهم، حاولوا زرع بذور القوة فيهم، لا توجهوا اللوم والعتاب لهم على أشياء سخيفة، ابتعدوا عن خطاب العنف والاستهزاء، فكل فعل من هذا القبيل سيكبدكم ويكبد المجتمع خسائر فادحة، سنرى مئات الحالات من هذا الوحش، حاولوا التفكير جيدا قبل التفكير في إنجاب طفل هل أنتم فعلا تستطيعون بناء عنصر فعال في المجتمع، أم أنكم ستنجبون أشخاصا يحيلون الإنسانية إلى أشلاء في انعدام تام للضمير..

وحوش آدمية

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *