جمال الروح عند الرحل.

في أركان قصية بأميال من الصحراء القاحلة بالجنوب الشرقي، وفي
أرض منبسطة يميل لونها إلى السواد، لا شيء فيها يلفت النظر، تنتصب خيمة محمولة
بأربعة أعمدة ونيف من الخشب، تلتحف بغطاء صوفي من نسج الغزل يدرَأُ البرد في عز
الشتاء، إنها بمثابة كون رمزي، يصب في سيميائية الثقافة لدى الرحل
.


بعد عناء تكبدته عجلات “اللاند روفر” الرباعية الدفع،
لتخترق كثبان الرمال العصية، ن
صادفه في نوع من التأمل، جالسا
على صخرةٍ في الخلاءِ ينتعلُ أحذيةً رثةً، وكأنهُ حافيُ القدمينِ، مُوحَا القصير
القامة، المكتنز القوام، صاحب الشوارب الفاحمة، والمقلتين المقوستين، ذي الوجه
الشاحب والملامح الملتوية، الذي اِختار حياة الرُّحَّلِ أسلوباً لعيشه، وأبى أن
ينساق مع أبناء قبيلته “أيت عطا” الذين هاجروا إلى مرزوكة والريصاني
وأرفود، وولوا وجههم شطر المدينة تاركين وراءهم كل ما هو بدائي صرف، لا أخفيكم أني
حينما رأيته للوهلة الأولى جاءني كل ما قصه عليَّ أبي عندما قضى فترات من حياته
بالخيام والترحال، إذ إن والدي ينحدر بدوره من قبيلة “أيت خباش”، وغاص
في غياهب الترحال منذ نعومة أظافره
.
بعيون مستهجنة
للواقع المرير، يتطلع إليك “موحا” وأنت قادم إليه، وبأيدٍ متشابكةٍ،
يقعد بجلبابه الأسود المنسوج من نفس صوفة خيمته، والسماء وحدها فقط تغطي المكان،
وليس ثمة شيء بجانبه عدا قارورة طينية من الماء، و”كوشة” مبنية من
الطين، لطبخ الخبز بطرقٍ يسمها الاختلاف عن كل ما هو سائد ومعروف في حالات التحضر
والتمدن

بلكنةٍ مغربيةٍ
دارجةٍ تتخللها كلمات أمازيغية بين الفينة والأخرى يتحدث إليَّ موحا، ويطلعني بأني
مرحب بي إن أنا قررت أن أتنازل عن كل ما له علاقة بالحداثة، وأن أتجرد من هاتفي
الخلوي، وأن التصوير ممنوع…. قبلت بصدر رحب، وبعيد أن شرحت له أني أمازيغيُّ
العرقِ، وأنضوي بدوري تحت لواء القبيلة، بيد أني ولدت من رحم أمٍّ عربيةٍ، وعليه،
لم يتأتى لي تعلم اللهجة التي كان حرياً بي التواصل معه بها، اِبتسم موحا، وأطلعني
بأنه يعرف قبيلتنا حق المعرفة، وأنه مستعد أن يحلق بنا في أكوان الرُّحَّل دون
رجاءِ أي مقابل منا، فقط رغبة منه في إشعاع الصيغ الحياتية التي لطالما ننكرها
ونعتبرها تتخبط في التخلف والرجعية والانحطاط والانغلاق على العالم المتقدم

لموحا زوجتين
“يطو” و”خدجو”، هذه الأخيرة تضع وشماً أمازيغياً على ذقنها،
ينكحهما (تزوجهما) دون عقد قران، يسكن بمعيتهما، ولكن خصص لكل واحدة منهما خيمة
خاصة بها يُجامِعها فيها زوجهما، له من واحدةٍ طفلين : ولد وفتاة غير مسجلين في
سجلات الحالة المدنية، والأخرى عاقرٌ. كلاهما لا تتقنان الدارجة، ولذلك اضطر موحا
أن يلعب دور المترجم، ليعرب لنا عن قدر سعادة زَوجَتَيهِ، اللتين تؤكدان أن حياة
البدو لأفضل بكثير لو كنا نعلم ما تكتنفه من سكينة وطمأنينة وهناء وبعد عن الفوضى
والضجيج الصاخب؛ بنبرة من الريبة والحيرة تملكني الحماس فسألت موحا : هل بمقدرتك
أن تعدل بينهما دون هفوة تمييز واحدة على الأخرى في بعض الحالات ؟ فأجابني بأن
العدل وارد، وأني باستطاعتي كضيف أن أستشف ذلك اتكاءً على ما ألحظه أمامي منذ
وصولي صبيحة اليوم إلى جوارهم، في الحقيقة أنا لا أخفيكم أن الطريقة التي يعدل بها
موحا بين زوجتيه لجبارة حد الأقاصي، لدرجة أني لم يسبق لي -بكل صدق- أن صادفتها
طيلة حياتي، حتى لدى أولئك الذي يتغنون بالثقافة والحداثة في كل المشارب، فلم
أتمكن من أن أستنبط نوعا من الغل أو الغيرة في علاقة يطو وخدجو، بل الغريب أنهما
كانتا صديقتين متساعدتين مع بعضهما البعض في كل شيء

سقطت الشمس وراء
كثبان الرمال، معلنة عن وقت الغروب، فطلب موحا من زوجتيه إعداد الشاي، فقامتا
سوياً لتتوجها إلى الداخل وهما تمشيان على استحياء، أحضرت كل واحدة منهما شيئا من
لوازم ذلك، نهض هو وتوجه ليوقد النار بالحجر. صراحةً لقد صدمت عندما رأيت ما كنت
أخاله خرافة إزاء مقلتيَّ واقعاً ملموساً، أضرم النار في الأعواد ليشتد اللهيب، ثم
وضع البراد على النار ونحن نتريث، عاد إلينا وطفق يحكي لنا ظروفهم عندما تتساقط
الأمطار بغزارة، أو حينما تشتد الرياح العاتية وتكاد تخطف خيامهم، لولا أخذهم
للحيطة جراء ذلك، وكيف أنه يقطع المسافات الطوال، سيراً على الأقدام، بغية البحث
عن الماء في صحراء قاحلة خاوية، وفي أيام الصيف حيث الشمس تصب لهباً فوق رأسه،
فجأة قاطعته مستفسراً : وما مصير ولديك ؟ ألن يلتحقا بالركب ؟ ألن يذهبا إلى
المدرسة ليتعلما القراءة والكتابة ؟ هل تريد منهما أن يحملا لواء الرحل ويجترا
تاريخك وتاريخ القبيلة ؟

بنوع من اليأس،
وبخار البراد يغلي فوق النيران، يقول موحا : “عندما رأيتك يا ولدي نازلا من
“اللاند روفر” بنظاراتك وهندامك النظيف ولباسك الجميل، أتصدقني إن قلت
لك إني تمنيت لو كان “حمي” فلذة كبدي مثلك يعيش الرخاء والازدهار ويتمتع
بالعالم الذي أحق به كشاب أن يعيش، أنا لا يضيرني إن ذهب حمي وأخته رحمة إلى
المدرسة وتتلمذا وتعلما، ولكن نحن نبعد بأميال عن مرزوكة باعتبارها أقرب نقطة
إلينا، وحين يبلغان الثانوية والإعدادية فسنضطر لنقلهما إلى الريصاني، وهذا كله
مكلف ونحن نتعارك حتى مع هذه الحياة البسيطة، فما بالك المدينة، ناهيك عن كونهما
لا يتكلمان لا العربية ولا الدارجة فكيف سيدرسان ؟” دموع غليظة بئيسة تتسلل
على خدي بعد أن أنهى كلامه، لقد لخص كل المشاكل في جملة أو بضع جمل…لأجعل هذا
الجو الكئيب ينضب، طلبت منه أن يراقب الشاي حتى لا نحرم من تذوق “أتاي الرحل”،
حمله من على النار وأحضره ووضع معه العسل الحر وزيت الزيتون، سكبه في الكأس، يبدو
أن لونه داكن تماماً، حملت الكأس ورشفت منها، كان قويا جدا يميل إلى المرارة، كان
من الصعب بمكان أن أشرب كل ما في الكأس ولكن من الواجب أن أكون حليماً وأحاول،
تذوقت الزيت والعسل “بخبز الكوشة”، كان ذلك لذيذاً جداً، أخبرني بأن
أفراد قبيلته ب”الريش” هم من يزودونه بهذه المؤونة
.
حل الليل وعلا
القمر وغدا المكان موحشاً وأكثر رعبا من ذي قبل، أصوات الذئاب تعوي أو لربما
الكلاب الضالة كما شرح لنا موحا، طلب منا أن نساعده ليحضر الحطب حتى نشعل النيران
للإضاءة، حيث قبل ذلك كان ضوء القمر هو المهيمن على المكان، توقدت النيران ثم
انصرف “موحا” وتوارى عن الأنظار، ليعود حاملا فخذ كبش أو نعجة، مملحة
لئلا تصبح جيفة أو يصبح ريحها نتنا فلا يستطيع له طلباً، وضعها فوق اللهيبِ
لتُشوَى، تذوقناها عندما أضحت مطهيةً جيداً، فوجدناها شديدةَ الملوحةِ، نوع غريب
من الملح شرحت لنا إيطو زوجة موحا، أنها الملح المدكوكة مع فصول الثوم، يسمونها
“ملح الثوم”، كل شيء مختلف في طرق إعداده ومذاقه، ولكن النتيجة واحدة
“اللذة”. بعد أن أنهينا عشاءنا دلنا موحا على أماكن نومنا، صراحةً ! لقد
أوجست في نفسي خيفة أن أبيت في هذا القفر والخلاء، فالحشرات في كل مكان، ولكن
“موحا” طمأنني أنه وضع تمثال “لورن” معلقا في باب الخيمة،
وأية حشرة ستراه ستظنه حياً فتعود من حيث أتت. غفونا على حصير من الصوف، بمجرد أن
وضعت رأسي على المخدة، أحسستُ موحا يوقظني ويخبرني بأن الصبح قد تنفس، ويدعوني إلى
الإفطار بحليب الإبل، صعدنا إلى قمة الجبل الرملي لنتمتع بشروق الشمس ! إنه لمنظر
عظيمٌ منقطع النظير
!
بعد مضي ساعات،
بلغت الشمس عنان السماء واشتدت حرارتها، ما ينم على وصول وقت الرحيل، أخبرت صديقي
محمدا بأنه ينبغي أن ننصرف، ثم أخبرنا “موحا” بذلك، دعاني إلى شرب كأس
من بول البعير، بيد أني اعتذرت منه، بدأ يلح ويلح محاولاً إقناعي بأنه مفيدٌ
لمقاومة البرد، إلا أني بديتُ متشبثاً بالرفض، فاحترم ذلك في نهاية المطاف،
تعانقنا وتباسمنا وتشاكرنا، وسلَّمتُ على زوجتيه وطفليه وحييتهم، كنت ألمح الفرح
في ملامحهم جميعا، دون استثناءِ نفسي فقد كنت جدَّ سعيدٍ بخوض غمار هذه التجربة،
صعدنا إلى “اللاند روفر” أنا وصديقي محمد ثم غادرنا المكان، والرغبة
الجامحة تحملنا على العودة، ولم لا ؟! سأعود حتماً في يوم ما، ولعله قريب
!.
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *