“شقارة” ذاكرة موسيقية تأبى الرحيل

هرم الأغنية الأندلسية عبد الصادق شقارة

بجمال الكلمات الرقيقة المرصعة باللحن المنفرد والصوت الشجي، كان يطل الفنان المغربي عبد الصادق اشقارة على جمهوره المتعطش لسماع موسيقاه الراقية في جلسات فنية تحمل في طياتها عبقا من التاريخ الشامخ الذي يتغنى به المغاربة في أرجاء البلاد الأربعة.

هو ابن الحمامة البيضاء تطوان، ولد سنة 1931، ترعرع داخل أسرة عاشقة لفن المديح والسماع، فورث هذا العشق منذ نعومة أظافره حيث تتلمذ فنيا على يد أبيه، ثم الزاوية الحراقية التي أثرت بمسيرته، فتعلم بها أصول المديح والموسيقى الأندلسية والعزف على الكمان؛ فاكتسب احترافية لا تضاهى في الأداء ونسج بين عدة ألوان وحلل ثقافية وفنية. كان عرفة الحراق أستاذه الروحي الذي علمه الغوص في عالم العزف والأنغام المتوازنة. وجدير بالذكر أن شقارة قد حفظ القرآن الكريم في الكتاب (المسيد).

كان سفيرا لمسقط رأسه تطوان كونه نسج خيوطا موسيقية داخل ثلاث مدارس كبرى؛ الأندلسية التي انفرد بها بعزفه على آلة العود الوترية، ومن بين أشهر أغانيه في هذا الشكل الفني “حبك القمر بكمالو” بالإضافة ل “أنا ف عارك“، “عيبك جاني لول“.

المرحوم عبد الصادق شقارة في وسط الصورة بجلباب مغربي أصيل

واشتهر أيضا في الطقطوقة الجبلية، حيث كان يتنقل للبوادي المغربية ليقتبس من التراث الجبلي المواويل القديمة والأفكار ليدخلهما في قالب شعبي كمثال أغنية “لواه آيما ديالي” و “الحبيبة وجرحتيني” التي عرفت نجاحا كبيرا في حفل افتتاح مسرح محمد الخامس.

وفي الخانة الثالثة ارتبط اسمه بالقصائد الكلاسيكية مثال رائعة “طال الوحش عليا” و”قولو ل للي يلومني“.

ولم يكتف “المعلم” عبد الصادق شقارة -كما يناديه أهل تطوان- بالأغنية المغربية فقط، بل جمع ما بين الفن المغربي والفلامنكو الإسباني، ليكوّن بهما مزيجا فريدا قل نظيره في عالم الموسيقى، كأغنية “ياحبيب القلب”. كما شارك أيضا في  المهرجان الإسلامي بلندن بحضور الملكة إليزابيت الثانية عام 1975.

أنشأ عبد الصادق شقارة جوق المعهد الموسيقي بتطوان، كما عين حارسا عاما للمعهد الموسيقي بذات الحاضرة؛ وكان الفخر يوم وشح سمو ولي العهد الأمير سيدي محمد صدره بوسام العرش من درجة فارس.

وفي سنة 1998 انطفأت شمعة رائد الأغنية المغربية في عقده السادس، فرحل عن عالمنا جسدا لكن ذكراه تأبى الرحيل أبدا ومخيلاتنا تعارض نسيان مواليله وموسيقاه الخالدة. وقد صادق مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة السنة الماضية على إحداث دار عبد الصادق شقارة للمحافظة على التراث المغنى وإشعاعه داخل المغرب وخارجه وذلك بمسقط رأسه ومدفنه مدينة تطوان، مع تنظيم مسابقة سنوية تحمل اسمه لاختيار أحسن التلاميذ في مجال الموسيقى والتراث.

تميز مسار المبدع عبد الصادق شقارة بالغنى والزخم الذي سيبقى في الذاكرة عصيا عن النسيان، ستسامر إبداعاته أجيالا تهوى الكلمة وتعشق السفر في سماء الفن الجميل.

“شقارة” ذاكرة موسيقية تأبى الرحيل

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *