تاريخ الترجمة – الجزء الثاني

رحلة في كتاب تاريخ الفلسفة العربية لـ د. جميل صليبا

لقراءة الجزء الأول

الاتصال الثقافي الذي نجده ونحن في رحلة تاريخية في الفلسفة العربية، تُفسّره ترجمة الكتب في الماضي. فلم تأخذ الفلسفة العربية من منبع واحد بل ينابيع متعددة، حيث لم تقتصر على العقل اليوناني، بل شملت تراثاً ثقافياً ضخماً من عدة لغات؛ السُّريانية، والفارسية، والعبرانية، والهندية، والقبطية، والنّبطية، واللاتينية… إذن ستكون لنا مسيرة في محاولة الإلمام ببعضٍ من تاريخ الترجمة العربية.

بداية، نشير إلى أن ما أدى إلى تأسيس “المدرسة الاسكندرية ومدرسة أنطاكيا” وانتقال الثقافة اليونانية إلى الشرق، هي فتوحات الاسكندر، وهاتين المدرستين اللتين نقل منهما السُّريان ثقافة اليونان إلى مدارس نصيبيْن، والرها، وحرّان، وجنديسابور مع العلم أن الاتصال بين الشرق والثقافة اليونانية لم يتم دفعة واحدة، بل تم على مراحل متعاقبة} ففي هذه المدارس التي كانت مركزاً للفلسفة الأفلاطونية الحديثة بدأ السريان بنقل الآثار اليونانية إلى اللغة السريانية قبل نقلها الى اللغة العربية. وحينما فتح العرب الروم و فارس اخذوا من الحضارة بحظ وافر. ولنقل الكتب الفلسفة من اليونانية او السريانية إلى العربية، استعانوا بعلماء مدرسة حرّان، حيث استمر النقل لثلاثة قرون أوائل القرن الثاني حتى أواخر القرن الرابع للهجرة. فقد كانت حركة واسعة لنقل جميع العلوم العقلية وفروعها من عدة لغات.

اللحظة التاريخية التي بدأ فيها نقل الكتب اليونانية إلى العربية كانت في أوائل القرن السابع للميلاد، وبلغت ذروتها في القرن التاسع، فالخطوة الأولى للترجمة في الاسلام كانت بفضل الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية الملقب بـ”حكيم آل مروان“. وخيرُ شاهد له هو ابن النديم في كتابه “الفهرست” الذي وصف أنه كان مولعا بالعلوم، حيت نقل عدة كتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى اللسان العربية. إن هذه الفترة من الزمن كانت الريح البدائية التي تُراكم الترجمات لتلحظ أوجها في الدولة العباسية.

بنفض الغبار على تاريخ الترجمة، نجد أشخاصا دفنهم الناس وبفضل المؤرخين خلدت أسماءهم وأسهاماتهم في الترجمة؛ مثل طلب أبا جعفر المنصور من ملك الروم أن يرسل إليه بكتب التعاليم مترجمة، وبعث له كتاب (اقليدس) وبعض كتب الطبيعيات، وأيضا قد نقل العرب فيهدا العهد كتب فلسفية من اللغة الفهلوية، وذلك ابن المقفع الذي اشتهر بترجمة كتاب (كليلة ودمنة) نقل من الفارسية إلى العربية بعض كتب أرسطو طاليس، منها كتاب (قاطيغورياس)، وكتاب (باري ارمينياس). بالمقابل في عهد هارون الرشيد لم ينقل إلى العربية إلا القليل.

ما سلف ذكره كان السبيل للوصول إلى لحظة مهمة تاريخيا أثناء الحديث عن الترجمة، وهو العهد الذي نشطت فيه حركة الترجمة نشاطا كبيرا، وشملت العديد من المجالات ؛ الرياضيات ،المنطق، الالهيات، الاخلاق. لا شك أنه عهد المأمون الذي وصفه ابن خلدون في المقدمة – ص 893 من طبعة دار الكتاب اللبناني –بيروت – أن له “رغبة شديدة في العلم، فأوفد الرسل على ملوك الروم في استخرج علوم اليونان وانتساخها بالخط العربي، وبعث المترجمين لذلك، وعكف عليها النظار من أهل الإسلام، فحذقوا في فنونها، وانتهت الى غاية انظارهم فيها، و خالفوا فأوعى منه و استوعب، كثيرا من آراء المعلم الأول، واختصُّوه بالرد والقبول لوقوف الشهرة عنده، ودوّنو ا في ذلك الدواوين، اربوا على مَنْ تقدَّمَهُم في هذه العلوم“. خذا ما أدى الى بعث علوم اليونانيين في الاسلام، حتى استهوت الكثير من الناس بما قلّدوه من معانيها، هو تأسيس المأمون “بيت الحكمة” سنة 832 م ، وبفضها لم يعد نقل الكتب عملا فرديا مبدَّداً.

إن الحديث عن “بيت الحكمة” يستوجب عليّ الاشارة لبعض مشاهير المترجمين، من هؤلاء النَّقَلة يحيى بن البطريق، الذي ولَّاه المأمون ترجمة الكتب الحكيمة، إلا أنه حدّقه في حسن تأدية المعاني ولم يُوَفَّق للتعبير عنها بألفاظ عربية دقيقة، ترجم كتاب (طيماوس) لأفلاطون، وكتاب (السماء والعالم) وكتاب (الحيوان). وكان منهم الحجاج بن مطر قد عاش في عهد المأمون، وفسره له بعض الكتب الفلسفية، ونقل كتاب اقليدس إلى العربية. و منهم عبد المسيح بن ناعمة الحمصي الذي ترجم كتاب (سوفسطيقا) لأرسطو، كما ترجم شرح يحيي النحوي لكتاب السماع الطبيعي و كتاب الربوبية (اثولوجيا) المنسوب خطأ الى أرسطو.

صورة تعبيرية

ومنهم يوحنا بن ماسوية وهو طبيب ماهر هاجَرَ من جنديسابور إلى بغداد، طلب منه هارون الرشيد ترجمة بعض الكتب القديمة فترجم له بعض الكتب الطبية. ونذكر أيضا حنين بن اسحاق العبادي كان من أبرز العلماء الذين توَّلوا رئاسة بيت الحكمة، ويجد عدة لغات الفارسية، اليونانية، السريانية، العربية، وأهم ما نقله الى السريانية كان من كتب ارسطو؛ كتاب العبارة، وكتاب (انالوطيقا الثانية)، وكتاب الكون والفساد، و كتاب النفس، و كتاب مقالات اللام من كتاب الحروف… وأهم ما نقله الى العربية كان من كتب أفلاطون؛ كتاب “السياسة”، كتاب “النواميس، و”كتاب طيماوس”، و من كتب أرسطو : كتاب المقولات، كتاب الاخلاق، و جزء من سماع الطبيعي… جملة هذه الكتب التي ذكرتها لأرسطو وافلاطون كانت من أهم و أبرز الكتب التي تم نقلها الى العربية. ونذكر منهم ايضا قسطا بن لوقا البعلبكي وإسحاق بن حنين وأبو بشر متى بن يونس القنّابي و أبو علي بن زرعة.

لماذا الترجمة إلى العربية ؟

لعل المحطة الأخيرة سأجيب فيها عن الباعث على النقل، فعديدة هي أسباب نقل الكتب القديمة إلى اللغة العربية أولها؛ احتكاك العرب بغيرهم من الأمم وإدراكهم أن لديها علوما يحسن الاستفادة منها، و احتياج العرب إلى هذه العلوم في تنظيم شؤون حياتهم كان دافعا هاما، إلى جانب تعطشهم إلى المعرفة، و ناهيك عن حاجة العرب الى الذوْد عن حياض الدين بالحجج المنطقية.

ونحن على قرب من نهاية رحلتنا مع تاريخ الترجمة في الإسلام، يتبادر إلى أذهاننا سؤال هام، وهو لماذا العرب لم يترجموا الهيموروس و غيره من الشعراء و الفنون التي تعاطتها الحضارات الاخرى؟ حيث اقتصروا على كتب الطب، و المنطق، و الفلسفة، و الرياضيات، و الطبيعيات، و الفلك، والأخلاق.

كمحاولة للإجابة عن هذا السؤال من طرف البعض الذين يقولون إن شعور العرب بالاكتفاء الذاتي في ميدان الأدب صرفهم عن ترجمة كتب الشعر والأساطير لعدم حاجتهم إليها، وقيل أيضًا أن سبب إعراضهم عن كُتب الشعر اعتقادهم أن هذه الكتب لا تنفعهم في توكيد عقيدتهم، ولا في الرد على المخالفين لديانتهم، و يقال ايضا ان سبب ذلك اشتمال كتب الشعر والأساطير على آراء وثنية مخالفة لعقيدة التوحيد.

قد أحدثت الترجمات في العالم العربي انقلاباً فكرياً خطير، ولولاها لما رأى شهد العالم العربي فلاسفة عقليين أمثال الكندي، و الفارابي، وابن سنا، وابن رشد، ولما استطاعت المعتزلة وغيرهم من علماء الكلام أن يعوّلوا على القياس العقلي في مناظراتهم…، وهذه اللحمة التاريخية تدعونا إلى مواصلة الرحلة مع الفرق الإسلامية والفلاسفة المسلمين.

تاريخ الترجمة – الجزء الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *