إطلالة على تاريخ فكر الخوارج – الجزء الرابع

رحلة في كتاب تاريخ الفلسفة العربية لـ د. جميل صليبا

لقراءة الأجزاء السابقة:
الأول الثانيالثالث


كما سلف الذكر، فإن مصدر الفكر العربي الإسلامي هو القرآن، وفي نظر المسلمين هو كلام الخالق (الله)، وكل كلمة فيه لها معنى وجودي أو جوهر حقيقي، وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أن كل تفسير قرآني يشكل اتجاها فكريا، ويختلف كل اتجاه عن الآخر باختلاف موقف المفسر، والتاريخ خير شهيد على الاختلافات في فهم المعنى الحقيقي للقرآن – كلام الله – وقد أدى هذا إلى ظهور بعض الفرق الإسلامية : كالخوارج، والمرجئة، والشيعة، وأهل السنة، والمعتزلة؛ واختلافهم في عدة مسائل؛ كرؤية الله، والتكفير والحكم…، ورحلتنا الحالية مع الخوارج، أملا أن تسنح لنا الفرصة لإكمال الرحلة التاريخية مع الفرق الأخرى. فمن هم الخوارج؟ وما هي عقائدهم؟ وماذا فعلوا مع علي بن أبي طالب؟

الكتب التاريخية تشير أنه في عهد علي بن أبي طالب حدثت الفتنة بين الصحابة وظهر أناس يلقبون بالقراء لأنهم كانوا حافظين لكتاب الله وينطقون برسول الله، ألا وهم الخوارج، جعلوا من عبارة ” قال الله…” و “قال رسول الله …” غطاء لاتجاههم السياسي وآرائهم الخاصة وأفكارهم العقائدية. ولعل الصفحة الأولى التي دونها التاريخ عن الخوارج هي أنهم قوم مبتدعون، سُموا بذلك لخروجهم على أئمة المسلمين وتكفيرهم لعثمان وعلي بن أبي طالب، وتأولوا في الدين، فكفروا مرتكب الكبيرة، واستباحوا دماء المسلمين وحرماتهم، وهم من أهل التنطع في الدين حيث أظهروا التقشف والزهد، وكان منهم قراء للقرآن. وعديدة هي المصادر التي تقربنا من معرفة من هم الخوارج، فنجد في قول الأشعري – مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (1/207) – : “والسبب الذي سموا له خوارج خروجهم على علي رضي الله عنه لما حكم” وفي نفس المصدر ذكر الأشعري أنهم يقولون : “لا حكم إلا لله”، وذكر أيضا لهم ألقابا عُرفوا بها غير لقب الخوارج كالحرورية والشراة…
وظاهريا نجد ارتباطا وثيقا بين الغوغاء والخويصرة الذين خرجوا عن عثمان رضي الله عنه، وبين الخوارج الذين خرجوا عن علي رضي الله عنه نظرا للسبب الراجع إلى التحكيم، وخروجهم بسبب التحكيم هو المعنى الدقيق لتسميتهم الخوارج. وكما أشرت سابقا إلى أنها طائفة لها اتجاهها السياسي وآراؤها الخاصة، أحدثت أثرا فكريا وعقائديا واضحا بعكس ما سبقها.

ونحن نقلب صفحات السنة النبوية، نجد العديد من الأحاديث في ذم الخوارج، وخير شهيد عن ذلك هو أبرز كتب الحديث النبوي عند المسلمين: صحيح البخاري (3341 ): روي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اعْدِلْ! فَقَالَ: (وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ). فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ: (دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَاباً يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَمَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ -وَهُوَ قِدْحُهُ- فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ). قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّعليه الصلاة والسلام الَّذِي نَعَتَهُ.
وفي صحيح مسلم (1776) روي: عَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَأَلْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ: هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ: (قَوْمٌ يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ)

وجذير بالذكر أنه بعد مقتل عثمان بن عفان، فإن معاوية بن أبي سفيان الذين كان ولي على الشام، رفض الاعتراف بعلي بن أبي طالب كخليفة، عكس الناس الذين يعترفون بعلي أنه الخليفة، وإبان هذه الأحداث وقعت معركة صفين بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبي سفيان في شهر صفر سنة 37 هـ، والتي انتهت بعملية التحكيم حينما كاد جيش علي بن أبي طالب أن يقضي على جيش معاوية؛ وذهب كل من الحكمين إلى كل فريق على حدة، وأخذا منهما العهود والمواثيق أنهما -أي الحكمان- آمنان على نفسيهما وعلى أهليهما، وأن الأمة كلها عونٌ لهما على ما يريان، وأن على الجميع أن يطيع ما في هذه الصحيفة.

موقعة صفين، أول حرب أهلية في تاريخ الخلافة الإسلامية، دارت رحاها في منطقة تدعى صِفِّين وهي قرية قديمة جدا بناها الروم بالقرب من مدينة الرِّقَّة

حين قتل الخوارج عبد الله بن خباب بن الأرت وبقروا بطن جاريته، فطالبهم رضي الله عنه بقتلته فأبوا، وقالوا كلنا قتله وكلنا مستحل دماءكم ودماءهم، فسل عليهم رضي الله عنه سيف الحق حتى أبادهم في وقعة النهروان، ولما انتصر عليهم في أحد الليالي كان على يصلي صلاة الفجر فدخل عليه أحد الخوارج وقتله أثناء صلاته، وبعدها بدأت قصة الخوارج مع الأمويين.

وكسائر الفرق الاسلامية، انقسم الخوارج إلى أكثر من 20 فرقة، وكل منها تبنت آراء دينية مختلفة جذريا عن الأخرى، وخير دليل نجده عندما نطلع على كتاب “تاريخ الجماعات” لمحمد أبو زهرة، أو ” الفرق والجماعات الدينية” للدكتور سعيد مراد، أن بعض الأئمة والفقهاء خرجوا على نطاق الإسلام برغم من تحدثهم تحت عبارة “قال الله…وقال الرسول…”، وناهيك عن التاريخ الدموي لهذه الفرقة.

لعل الحديث يطول على الخوارج إلا أنه لابد من ذكر لمحة أخيرة عن عقائدهم:
 تكفير صاحب الكبيرة،
 إن جميع مخالفيهم من المسلمين مشركون حسب قول فرقة الأزارقة،
 أنه لا حاجة إلى إمام إذا أمكن الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، في نظر فرقة ” النجدات”،
 الخلافة لا تنحصر في قومٍ بعينهم،
 الثورة على أئمة الجور،
 إثبات إمامة الصِّدِّيق والفاروق وتكفير عثمان وعلي رضي الله عنهما،
 إثبات صفة العدل لله،
 صدق وعد الله ووعيده،
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

المراجع:
البداية والنهاية – ابن كثير
صحيح البخاري
صحيح مسلم
تاريخ الخلفاء المسلمين، د محمد سهيل طقوش
تاريخ المذاهب الإسلامية، محمد ابو زهرة
الفرق والجماعات الدينية، د سعيد مراد
النظام السياسي للدولة الإسلامية، د محمد سليم العوا
الجمعيات السرية، نورمان ماكنزي

إطلالة على تاريخ فكر الخوارج – الجزء الرابع

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *