إطلالة على تاريخ فكر المرجئة – الجزء الثالث

رحلة في كتاب تاريخ الفلسفة العربية لـ د. جميل صليبا

لقراءة الجزأين الأول والثاني

كلما اتسعت دائرة الاطلاع في تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية، أجد كومة من الأفكار والاتجاهات الفلسفية المتعارضة بينها، وفي وسط ضجيج من الأفكار والاختلافات في العديد من المسائل بين الفرق الاسلامية، ظهرت المرجئة بأفكارها المختلفة والمثيرة للجدل، وفي أعلى هرم افكارهم اجد عبارة : “تأخير الأعمال عن مسمى الإيمان“، واكتفوا بالقول أن الايمان هو التصديق بالقلب، وهم ليسوا على مذهب واحد، وإنما هم أربع طوائف: مرجئة الفقهاء جملة قولهم تكمن في عبارة : “قول باللسان واعتقاد بالقلب“، حيث لا يدخلون العمل، والإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان من قال بهذه الأمور أو بعضها فهو مرجئ.

أما الأشاعرة وهم من عرفوا الايمان على أن التصديق بالقلب ولو لم ينطق بلسانه، بمعنى من صدق بقلبه فهو مؤمن، وثالثا غلاة المرجئة، وهم هؤلاء الجهمية الذين يقولون الإيمان مجرد المعرفة، وأخيرا الكرَّامية الذين يقولون: إن الإيمان هو النطق باللسان ولو لم يعتقد بقلبه. وهذه لمحة تعريفية للمرجئة تحيلنا عن اهم الاختلافات مع الفرق الأخرى وما أتت به من افكار.

ليس بالجديد أن أذكر ما قدمه المعارضون لهذه الفرقة من الذم والشتائم وابطال مذهبهم واعتبارهم من اهل الأهواء والبدع، فقد خالفوا الخوارج واهل السنة والجماعة في مسألة مرتكب الكبيرة وغيرها من الأمور العقدية، وقالوا أن كل من آمن بوحدانية الله، لا يمكن أن نحكم عليه بالكفر، لأن الحكم موكول على الله وحده يوم القيامة، مهما كانت الذنوب التي اقترفها، ويستندون الى على الآية القرآنية – سورة التوبة، 106- التي تقول ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ، وعقيدتهم تقوم على أساس عدم تكفير أي إنسان اعتنق الإسلام ونطق بالشهادتين مهما ارتكب من المعاصي، وأصحاب المعاصي مؤمنون كاملوا الإيمان بكمال تصديقهم، فلا تضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة. يقول أبو يعقوب إسحق بن راهويه في كتاب “حلية الأولياء”: المرجئة يرون أن من “ترك الصلاة والصوم والزكاة وعامة الفرائض بدون أن ينكرها على الناس أو يجحد بها، فإن هذا ليس بكافر، إنما يُرجأ أمره إلى الله”.

إن فكر الإرجاء ظهر في أواخر عصر الصحابة، وأزهرت بذور فكره في أعقاب الخلاف السياسي، الذي نشب مع مقتل عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، وعنه نشا الاختلاف حول مرتكب الكبيرة، فالخوارج يكفرونه، والمرجئون يردون الأمر الى الله إذا كان مؤمنا، لأنهم يتبنون فكرة أن الذنب مهما عظم لن يؤثر على الايمان. وفي رواية من الإرجاء أن أول من تكلم في الإرجاء رجل من أهل المدينة يقال له الحسن بن محمد بن الحنفية، كما ذكر يوسف بن الزكي عبدالرحمن أبو الحجاج المزي في كتابه تهذيب الكمال (6/321) : “ قال أبو أمية الأحوص بن الفضل بن غسان الغلاني حدثنا أبي قال حدثنا أبو أيوب الخزاعي عن يحيى بن سعيد عن عثمان بن إبراهيم بن محمد بن حاطب قال أول من تكلم في الإرجاء الأول الحسن بن محمد بن الحنفية كنت حاضرا يوم تكلم وكنت في حلقته مع عمي وكان في الحلقة جخدب وقوم معه فتكلموا في علي وعثمان وطلحة والزبير فأكثروا والحسن ساكت ثم تكلم فقال قد سمعت مقالتكم ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير فلا يتولوا ولا يتبرأ منهم ثم قام فقمنا قال فقال لي عمي يا بني ليتخذن هؤلاء هذا الكلام إماما قال عثمان فقال به سبعة رجال رأسهم جخدب من تيم الرباب ومنهم “، كان كلامه عتبة سبيل الارجاء. وجذير بالذكر كبار المرجئة ومشاهرهم: الجهم بن صفوان، وأبو الحسين الصالحى، ويونس السمرى، وأبو ثوبان، والحسين بن محمد النجار، وغيلان، ومحمد بن شبيب،…

صورة تعبيرية


وما يسعني أخيرا الا أن أحيلكم على كتاب ” ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي لدكتور سفر الحوالي ” بعد هذه اللمحة التاريخية حول نشأة المرجئة. أما في مسألة العقل والنقل، فقد عُرف في الفكر الاسلامي طائفة تقدم النقل عن العقل وطائفة اخرى تقدم العقل على النقل، وطائفة اخرى تجمع بينهما في وزن واحد، ولابد أن يكون لنا حديث بهذا الصدد، الا انه من الضروري الاشارة الى أن المرجئة من الطائفة التي تتمسك بحرفية النص ولاعتقادها ان العقل لا يستطيع ان يحيط بحقائق الامور الالهية، و إذا رأى بعض أفراد هذه الطائفة أن يرجع إلى العقل، رجع إليه لاستخدامه في الدفاع عن الشرع ضد المخالفين في العقيدة. وهذا تماما عكس ما تبنته المعتزلة التي لا تعرف اماما سوى العقل ولا تصدق الا بما هو عقلي محض، والعقل هو الحاكم في الامور الدينية والدنيوية، وفي رحلتنا التاريخية في الفكر العربي الاسلامي ستكون لنا زيارة لفرقة المعتزلة التي لا تقل أهمية عن ما سبق.

وخلاصة ما سلف ذكره، حينما بدأ الإرجاء خلال فتنة علي ومعاوية حيث طالب المرجئة بتأجيل أمر خلافتهما إلى الله، حاولوا تخليص أمور الدنيا من سيطرة الدين الذي تفرضه الدولة، حيث يقود فكر المرجئة إلى التنوع والتعددية والتأويل لكنهم اعتبروا فاسقين كما رأى ابن تيمية، حيث ذكر الفيومي في كتابه “الخوارج والمرجئة”، أن “ابن تيمية مثلاً، اعتبرهم ممن يمنحون الفساق فرصة ليطمعوا بعفو الله، كما أن الدلائل لدى ابن تيمية تشير إلى براءة الصحابة منهم”.

المراجع :

كتاب ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ، للدكتور سفر الحوالي.

كتاب تاريخ الفلسفة العربية ، للدكتور جميل صليبا.

كتاب تهذيب الكمال (6/321) ، ليوسف بن الزكي عبدالرحمن أبو الحجاج المزي .

إطلالة على تاريخ فكر المرجئة – الجزء الثالث

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *