سويعتان في قسم المستبطآت

صورة مقتبسة لجحيم المستعجلات الوطنية

دلف الثلاثة مهرولين نحو الصالة الوسطى، حيث تراصت عشرات الجثامين بغير ترتيب يذكر، منها المتحرك ومنها الواجم ومنها الهامد، منها من يقبع جاحظة عيناه فوق أحد الكراسي المهترئة، ومنها من تبعثرت أشلاؤه فوق سرير متحرك صدئ المحمل والعجلات تسمع أناته من بعيد؛ منها من انكشف جلده عن عظمه ومنها من علا السواد سحنته حتى كادت الملامح أن تختفي؛ منها الطاعن في السن العجوز أجعد البشرة أشيب الصلعة، ومنها حديث الولادة رضيع لم يذق حليب أمه بعد.. وبين هؤلاء وهؤلاء يتخبط رجال ونساء وشباب تبدو عليهم حسنات العافية، بيد أن أمارات وجوههم المنكثمة تتدفق سيولا من الحزن والغم، عليها غبرة ترهقها قترة، كأنها أفلتت توا من سنوات عجاف جدباء مقحطة.
انغمس الثلاثة في أمواج البشرالهادرة باحثين عن السيد حسن، ذلك الكهل صاحب الدراجة الذي صدمه أحدهم بالسيارة قبل سويعة من الآن بأحد المسالك الضيقة وسط المدينة. كان المسكين جالسا في أحد الزوايا وعيناه لا تفارقان القفة قرب رجليه وكفاه مجتمعتان بين ركبتيه.
سيد حسن، هل أنت بخير؟ هل فحصك الطبيب؟ ماذا قال؟ هل الضربة خفيفة أم أنها تحتاج لعملية ما لا سمح الله؟ والرضوض الرضوض ما حالها؟ أوصف لك علاجا ما أم طلب منك بعض التحاليل والأشعة…….؟
انهالت الأسئلة على السيد حسن وابلا بدون سابق إنذار، منها ما سمعه ومنها ما لم يجد متسعا في ذاكرته الذاوية. ببطء شديد تلفظ البئيل بما لم يخطر على بال أي منهم “الدراجة.. أين هي دراجتي؟
كانت الدراجة المعطوبة كل أمل السيد حسن في الحياة، ليس على باله رأسه المشجوج أو ثيابه الملطخة بالدماء أو أطرافه المضمخة بالتراب، كل ما يهمه الدراجة الهوائية، مصدر رزقه وسبيل عيشه بلا مذلة السؤال وصغار مد اليد للناس.
دراجتك في الحفظ والصون، غدا سآخذها للعجلاتي وستصبح جديدة كأنك اشتريتها للتو.. المهم الآن هو أن نطمئن عليك ونأخذ العلاج و…………” كانت مخيلة السيد حسن قد حلقت بعيدا بعدما اطمئن على دراجته ولم يسمع بقية الحديث، فهي الأهم ومن دونها يصبح هذا الجسد دون منفعة تذكر.
اهتزت القاعة على دوي مزعج ما فتئ يزداد حدة لحظة بعد أخرى حتى خرس تماما.. كانت سيارة الإسعاف قد وصلت لتوها حاملة ضحية فاجعة أخرى.. حادثة أو حريق او انهيار أو صعق كهربائي، وفي أخف الحالات وطأة فقدان أحدهم لوعيه بسبب اختناق أو ما شابه. أحضر أحد الشباب الملتحفين للوزرات الرمادية سريرا متحركا لا يكف عن الزعيق مثل أخيه، أنزل المسعفان سيدة تبدو بلا حراك ووضعاها على السرير دونما اكتراث وعادا لمقصورة القيادة، بينما دفع الصبي ذو اللباس الرمادي السرير والجثة الحية ليكومها في غرفة الانتظار مع أخواتها ويرحل. رحلت سيارة الإسعاف بدورها وتجمهر مصطافو قسم المستعجلات حول السيدة وألسنتهم لا تكف عن القيل والقال، بعضهم يأول والبعض الآخر يولول وكأن ما ألم بهم أو بذويهم غير كاف لسد خصاص الثرثرة عندهم.
مرت زهاء الساعتين إلا ربع ولم يتحرك أحد لتمريض السيد حسن رغم تناوب الشبان الثلاثة التردد مرة على دكة الاستقبال ومرة على قسم الفحوصات وأخرى على عدة قاعات أخرى شملت قسم الأمراض النفسية أيضا !! ولا أحد يحرك ساكنا.. قاعة الانتظار غصت بروادها والأصوات متعالية كما كانت.. إحدى الممرضات تتمايل مشيئا وجيئة كأنها تعرض وزرتها البيضاء وخصلاتها الشقراء.. أخرى تجلس بمكتب الاستقبال وعيناها ملتصقتان بشاشة هاتفها المحمول تكادان تخرجان من محجريهما.. ممرض آخر يتردد منذ عشرات المرات يعلم أن طبيب الأشعة سيصل في غضون دقائق معدودة، ولكنه لم يصل لحد الساعة. أما الشرطي، فكل عمله الدخول لمكتبه، ارتشاف شربة من فنجان صغير مكسور اليد ثم إغلاق الباب والمغادرة نحو الساحة الخارجية.
لم يطق يوسف الوضع فانتفض في وجه الممرضات مزمجرا في وجه أول ممرضة تقابلت معه في الممر.. “أي مرفق هذا وأية معاملة هاته؟ أبشر هؤلاء أم قطيع ماشية؟ أمستشفى هذا أم مجزرة جماعية؟ أين الإنسانية؟ أين الضمير؟ أين القسم الذي تؤدونه يوم تخرجكم وأكفكم اليمنى مرفوعة للباري عز وجل؟ حاشا أن تكونوا بشرا تجري الدماء في عروقكم……….”
ظهر الشرطي من بعيد مقتربا حتى اخترق حلقية الجماهير المغلوبة على أمرها ولسان حالها مسجون بين الفكين لا يسمع له حسيس.. ضاع الصوت وانحبس.. خارت القوى وانهارت من كثرة ما قاومت دون جدوى، ولم يتبق سوى أعين تحوم في الفضاء وأفئدة تلهج بالسخط وتغلي دون أن تطفو على السطح. جذب الشرطي يوسف وخرج لتهدئته خارجا، وعاد الهرج والمرج وركن كل إلى مقعده ليبدأ شوطا جديدا من الانتظار.
 
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *