عيد رأس السنة على منبر الجمعة

جواز الاحتفال برأس السنة الميلادية من عدمه

كنت اخترت هذا العام أن لا أخوض في هذا الجدال، جواز الاحتفال برأس السنة الميلادية من عدمه، لكن خطيب الجمعة اليوم استفزني بتخصيص الخطبة الثانية لهذا الأمر، بعد أن خصص الأولى لحصاد الألسن بنهينا عن كثرة الكلام، بدعوى أن من كثر كلامه كثرت هفواته، بينما كثرت زلاته وهو يثرثر بخصوص أعياد الميلاد، حيث حمل الموضوع أكثر مما يحتمل، وربطه بما لا يتصل به، سعيا لإقناعنا بعدم شراء حلوى أو تقديم هدية أو حتى عدم معايدة الناس وتمني لهم عاما طيبا بهذه المناسبة، حتى إني هممت بحمل نعلي تحت إبطي والانصراف عنه، ليس لأني أعشق الحلويات ومظاهر البهجة في رأس السنة وكل المناسبات التي تشهد اجتماعا للعائلة وتبادل التهاني والتبريكات كالمولد النبوي، وعاشوراء وحتى بعض المناسبات التي لا تمت للدين بصلة، بل تندرج ضمن الثرات والثقافة كالسنة الأمازيغية عند إخوتنا الأمازيغ والناير عند بعض المغاربة، ولكن احتجاجا على خطاب الكراهية الذي أصبحت تبثه المساجد، التي من المفترض أنها منارات ترشد المؤمنين وتشيع المحبة والسلام والإخاء بين جميع الناس والشعوب والقبائل…

ثم لماذا يصر بعض خطباء الجمعة على إقحام ذواتهم في مواعظ الجمعة، لماذا يسعون إلى جعل كل المؤمنين نسخا طبقهم باعتبارهم هم الأصل، ومن حقي أن أتسائل: هل هذا الفقيه حرم مظاهر الاحتفال بين عموم الناس لأسباب موضوعية أم ذاتية ؟ هل وجد للتحريم أصلا في الدين، أم لأنه كشخص لم يعتد الاحتفال والوقوف عند هذه المناسبة لأسباب شخصية كالقناعة أو الرأي أو البيئة والمحيط الذي ترعرع فيه ؟ 

إذا لا يجب على أي فقيه أن ينجرف إلى تعميم ذاته وخصوصياته ونمط عيشه وقناعاته الشخصية على جميع الناس، بل عليه أن يحترم خصوصياتهم هم أيضا وطبيعة عملهم وكسبهم، فهناك من يعيش على بيع الهدايا في هذه المناسبة وهناك من يكسب قوته بصناعة الحلويات وهناك من تصرف له علاوات ومكافآت العمل في هذه المناسبة، وغيرها من الممارسات التي لا تنفي عنهم صفة الإيمان ولا تخرجهم من الإسلام وتدخلهم في زمرة من اتبع ملة اليهود والنصارى، وإلا سنصفه بالخارج عن الملة، كل من ركب سيارة واستعمل هاتفا بحكم أن هذه الأشياء من إبداع المسيحيين واليهود.

ثم هل هذا الموضوع يمكن التعاطي معه من على منبر الجمعة وبمنطق الحلال والحرام أم يصنف ضمن مواضيع تلاقح الثقافات وحوار الحضارات، حيث أن هناك من يرى في الاحتفال مظهرا من مظاهر التسامح وتبادل الثقافات وهناك من يرى في الأمر غطرسة واستعلاءا من جانب الغرب، حيث نحتفل بأعيادهم بينما لا يعيرون اهتماما لثقافاتنا وأعيادنا ؟

إن من واجب الفقيه إن هو لم يجد بدا من الترفع عن هذا الجدال، أن يذكر بأنه كفر من قال إن الله ثالث ثلاثة ومن قال إن الله هو المسيح ابن مريم، وأنه ارتكب كبيرة من عاقر الخمر في هذه الليلة كما في سائر ليالي السنة، وأنه فسق من ارتاد أماكن المجون والفجور …

أما مظاهر البهجة والاحتفال من بابا نويل وشجرة الميلاد التي تعد ديكورا للتزيين، والحلويات باعتبارها مأكولات حلال، والهدايا وعبارات التهنئة، فكلها محمولات رياح العولمة التي هبت على كل بلدان العالم ونتائج لنمط الثقافة الذي أضحى كونيا عابرا للقارات، بفضل الثورة التكنولوجية ووسائل التواصل، وباعتبار موازين القوى التي ترجح لصالح الغرب فقد غزت ثقافتهم ونمط عيشهم واستهلاكهم كل دول العالم، وسادت قيمهم وترسخت عند التابعين ومن تبعهم، والمغلوب دائما مولع بالاقتداء بالغالب وإتباع نحلته وتبني قيمه كما قال العلامة ابن خلدون…

إن ما لا يجرؤ هؤلاء الفقهاء على مناقشته هو عوامل الداخل التي كرست تبعيتنا للغرب، وجعلتنا ندور في فلكه ونحتفل بأعياده، ما لا يجرؤ على مناقشته هو المشاكل التي تتخبط فيها منظومتنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وتحليل هذه المواضيع وتناولها من منطلق ديني، لأنه سيجد نفسه مبعدا عن المنبر والخطابة، لهذا فهو يفرغ مكبوته في الحلقة الأضعف، وهي عامة الناس التي تعد مسلوبة الإرادة بسبب عوامل الفقر والجهل، فلا يجد هذا الفقيه بدا من تقريعهم لأنهم يأكلون حلويات رأس السنة، وفي الأخير أتمنى للإنسانية جمعاء سنة سعيدة بمزيد من التسامح والتقارب والسلام والإخاء. 

عيد رأس السنة على منبر الجمعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *