ابنة المعلمة

سنوات دراستي الابتدائية

هكذا درج معظم ندمائي في الفصل المناداة علي، كانت سنوات دراستي الابتدائية تجسد المعنى
الحقيقي للأمير المنبوذ؛ بين حضور كامل وطاغ لأمي في حجرة الدرس صباحا ومثولها
حارسا للواجب مساء، كانت كل الأعين تتربص بابنة المعلمة في سخرية ممزوجة بحقد،
تارة خفي وتارة أخرى وضاح. قد يسلقونك بأبصارهم وألسنتهم الحداد، وقد يرمونك بسهام
الغيبة السامة أما معلقين على هندامي” انظروا ما الذي ترتديه؛ تنورة قصيرة
وتتبجّح ملء شدقيها بكونها ابنة المعلّمة” أو مشككين في استحقاقي “لا
ريب أن والدتها قد سربت لها أسئلة الامتحان مرفقة بالأجوبة”.

لكن الحق أقول، من بين هؤلاء وأولئك كانت طيبات العشرة جزءا لا يتجزأ من
نوستالجيا الطفولة، فلا تغيب عن ذاكرتي صديقات لا يزال عبق المحبة فواحا بيننا.
أعود إلى سيناريو الأحداث، وأستحضر تطيّر هذا اللقب علي وعلى والدتي، آه أعتذر
أقصد معلمتي، أقول إنها تتحول في حضرة القيل والقال ومغبة التقصير في مهمتها التي
ما تزال تؤديها إلى اليوم بتفان كبير؛ تتحول إلى “فقيه” “سيدي
محمد” في رواية “العلبة العجيبة” بعصا السفرجل المُقَلَّمة، التي
لا تعرف للجلد مداعبة أو مناغاة، أنما لسعا وجلدا. معلّمتي قد تحوِّل نسيان دفتر
أو إهمال تمرين إلى قضية رأي عام تتطلب سؤال ربط المسؤولية بالمحاسبة، فيكون
الحساب ضربات ساخنة على أياد باردة، تتخلل هذه العملية نظرات شزراء تحدجني بها
ليكتمل المشهد في تيمته ومصداقيته.

لا أخفي أني كنت أستنكف هذا الوضع وأمَجّه، فكوني ابنة المعلمة لا يعني أنني إنسان خارق أو
ملاك لا يخطئ، من حقي أن أجترح التجارب أن أفشل وأرفع رأسي شامخة، فهكذا تصقل
شخصية المرء. حينما كنت أحتج بذلك لأمي ترفع رأسها علامة الإيجاب قائلة :
“صحيح يا ابنتي، النجاح رهين باجتراح التجارب، وعندما تقولين اجتراح فأنت
تعنين الكد والجد، ولم لا الألم البرَّاح، فكما تشكو الخشبة آلام نقر الإزميل،
فإنها تشكره في سرها لأنه صيَّرها تحفة نادرة”. هكذا كان، كبرت ابنة المعلمة
وأدركت أن معلمتها في الصغر أعطتها سر حكمة في الكبر، لا تزال تعالج هذا السر
وتبغي به بلوغ مبلغ الزاهد المتعبد الذي يرى العلم والمعرفة منتهى الأماني
والأحلام دونما انغماس تام في متع الحياة، فيقول ابن عربي : ” […] ما أكثر
هذا المتاع على طالب الخلوة وما أمضاها في إفسادي. إذا سهرت لأشهد مطالع الأنوار
الإلهية ضيّعت علي ذلك حشيّة الصوف بالنوم، وإذا لزمت الصمت لأسمع حفيف الأسرار
القدسية قرقرت بطني فجعت وانشغلت، وإذا أشعلت مصباحي وأخرجت أوراقي وغمست دواتي في
قنينة الحبر ووضعتها حيث توقفت ليلة البارحة انشق من حيث تتماس الدواة والورق
شبّاك تطل منه أرباض الأندلس وأزقة فاس وزوايا تونس وخوانق القاهرة وشعاب مكة
وحوانيت بغداد وغوطة دمشق وبحيرات قونية… أي عزلة هذه”.
 

ابنة المعلمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *