حافلة تعج بالحياة

عشرينية أنا، وخمسينية هي.. رفيقتي، في السفر، هي من نادتني كي أشاركها مقعد الحافلة، ساعتان من الطريق عرفت فيها ملخص حياتها، زوجها وأطفالها ومرضها، جيرانها وحتى عائلتها، بل وتحدثت بمكالمة صوت وصورة مع حفيدتها، أخبرتني حتى عن فتاة مثلي رافقتها فالطريق في سفر سابق لها.
بينما هي لم تعرف مني غير مكان سكني ووجهة سفري وهي من سألتني ذلك، ولم أخبرها به بمحض إرادتي، أنا لست مثلها لا أحب تقاسم حياتي مع الغير، لا أدري هل ذلك مرتبط بفارق السن الذي بيننا أم أن لكل واحدة منا طبعها، هل سأصبح خمسينية مثلها وأجد نفسي بحاجة لمن أثرثر له عن ما بداخلي؟ أم سأبقى على طبعي هذا كتومة لأقصى ما يمكن؟

عند نزولها من الحافلة -ولكون محطة وقوفها كانت قبل محطتي- أغرقتني بالأدعية… كم هو جميل أن يبعث لك الله شخصا غريبا يدعو لك بصفاء وطيبة بأدعية تحس أنها صادقة رغم أنه عرفك لساعة زمن فقط أو أكثر قليلا.
كل هذا حدث ولم تعرف إسمي ولم أعرف اسمها، مضت في طريقها وأنا سأكمل سفري.

صورة تعبيرية

هذه كانت رفيقتي في المقعد، وغير بعيد عنا كانت هناك امرأة في المقعد الذي خلفنا لها رضيع ظل يبكي طوال الطريق، لا أعلم سبب بكائه لعله يبكي جوعا أو مرضا، وأمه لازالت فتاة صغيرة يبدو من تقاسيم وجهها أنها تحس بالخجل لعدم قدرتها على إسكات الصغير.
أما في المقعد الذي قبلي هناك فتاتان من نفس سني على ما أظن، لقد ارتكز حديثهما طيلة الوقت عن ما جد في الملابس والأحذية والحقائب، وكل منهما تخبر الأخرى بالسعر الغالي لما ترتديه ولما ستشتريه.
وبمقربة منا مسن آخر يبدو وكأن الزمن فعل به فعلته، متعب ومنهك الملامح والصحة، وكأنه ينتظر محطة الوصول ليلقي بجسده الهزيل إلى كف الراحة.

وفي نفس المحطة التي نزلت فيها الخمسينية صعد ثلاثة شبان في مقتبل العمر عميان وما العمى إلا عمى القلوب، يحملون آلات موسيقية في أيديهم، وهم جالسون في صمت لا يحركون ساكنا، كسر صمتهم واحد منهم حيث أجرى مكالمة مع شخص وطلب منه أن يقوم بتسجيله في موقع من أجل التقدم لوظيفة لا أدري ما هي، وبعد مكالمة دامت عدة دقائق يشرح له كيفية ولوازم التسجيل ختم اتصاله بأن طلب من ذلك الشخص أن يتمنى له التوفيق وأنا بدوري تمنيت له التوفيق خفية.

هؤلاء الشباب تعرف منهم أن الإرادة والعزيمة لا تعرف العوائق والحجج، لا داعي لأن نبرر خمولنا وكسلنا وإحباطنا بأي ظرف كان، فهم غير مبصرين ويحملون شغف تعلم أشياء جديدة ويكافحون لتحقيق طموحهم.

وفي نفس المحطة أيضا صعد شخص آخر إلى الحافلة عجوز أبيض الشعر حازم الملامح، بيده عكاز يحمل أقدامه المتعبة، سألني هل المقعد فارغ لم أستطع أن أقول له لا رغم أنني كنت أود أن يبقى المقعد فارغا، لكي أكمل طريقي في هدوء، جلس لبعض الوقت ثم رن هاتفه، وإذ به يخبر المتصل بأن السيدة على مشارف الموت وتود أن ترى ابنيها قبل موتها، لا أدري من هي هاته السيدة لكن تمنيت لها طول العمر والعافية في باطن نفسي، وأتمنى أن ترى أولادها قبل أت تقابل ربها.
وفي منتصف الطريق وجدنا حادثة سير أقل ما يقال عنها أنها خطيرة لقي حتفه فيها سائق السيارة، سيارة محطمة منظرها يدمي القلب، المسكين لم يكن يظن أن هذه الطريق ستكون آخر طريق يسلكها.

تختلف القصص والملامح والشعور والصفات، وحتى الإهتمامات داخل حافلة فما بالك داخل الحياة، لكل منا تعاسته وسعادته، لنرضى بما قسمه الله لنا ولنكون طيفا جميلا وإن عبر يبقى عبقه.

حافلة تحمل قصص من يحملون هموم الرضع والشباب والكهول ومن هم على مشارف الموت، حافلة كقطار الحياة.
كان يوما ماطرا وشديد البرودة حافلا بالقصص في حافلة متهالكة، تتسلل منها بعض قطرات المطر لتسقط على معطفي أمسحها وأواصل طريقي وحياتي.

حافلة تعج بالحياة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.