تفضيل الأغلبية الخاطئة على الأقلية الصائبة

في السنة الثالثة من مساري الجامعي خلال الامتحان النهائي لمادة “تدبير الموارد البشرية“، كان موضوع الاختبار قائمًا على الاختيار بين التوظيف الداخلي والتوظيف الخارجي، اعتمادا على دراسة مصاريف كل نهجٍ على حِدَة؛ فدورنا هو توجيه الشركة نحو الطريقة الأقل تكلفة.

‌بعد قراءة أولية وأخرى تحليلية للمعطيات، اتّضح لي أنه لكيْ يكون الاختيار صائباً، نحن بحاجة لحساب دقيق للمعطيات يأخد بعين الاعتبار تكلفة كل ثانية يقضيها مسؤول التوظيف في كل مقابلة عمل. ورغم أنني تساءلت هل يجدر بنا فعلا تبسيط الحسابات وتفريعها لهذه الدرجة، إلا أنني عُدت وأجبت نفسي: بناء على المعارف والمكتسبات والمنطق أيضا، فلا يصح إلا احتساب التكاليف بالدقائق والثواني ..

وعلى هذا المنوال الدقيق بدأت أدوّن إجاباتي؛ ‌إلى أن تفاجأت بالأستاذ المشرف على المادة – الأستاذ القدير مغني، المدير الحالي للمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة- وهو يلقي نظرة على ورقة أجوبتي، وقد ابتسم تلك الابتسامة التي تُحيلك على الشك والحيرة فيما تفعل! ‌محاوِلَةً طرد ماهية تلك النظرات التي أربكتني، لم انقطع عن تحرير الإجابة.. وقد انتهى بي المطاف مُحدِّقة يمينا وشمالا في أوراق زملائي، أهتدي الجواب الصحيح وكانت تلك أول خطوات تضييعه بدل الحصول عليه.

‌وجدت أن الأغلبية قد اعتمدت مقارنة عادية بين مجموع المصاريف دون التطرق لجزئية الثواني، فتساءلت :“هل يعقل أن يكون الجميع على خطأ ،وأنا الوحيدة التي على صواب؟” .‌وبين الخوف من مداهمة الوقت لي ومحاولة استيعاب مساحة الشكوك التي نالت من ثقتي من أجوبتي، قمت بتمزيق ورقة التحرير الخاصة بي وطلب ورقة أخرى، أجبت فيها كجواب الأغلبية.

عندما غادرتُ القاعة، ناداني الأستاذ المشرف -بحكم معرفته الشخصية بي، لأنه أستاذي المُشرف على تقييم مادة أخرى تخص التداريب المهنية – فقال :”أول مرة، كتبت الجواب الفلاني ،مزقتها وعدت وكتبت الجواب كذا وكذا …” وما كاد ينهي جملته حتى أدركت أنني وقعت في الفخ، وأجبت وأنا أسخر من نفسي:” نعم، ذلك هو ما فعلته…”، فعلّق قائلًا:” donc , on se verra à la session de rattrapage ” .‌

حينها ذُهلت حدَّ البُكم ولم أدري ماذا أقول.. فحاولتُ كسب عطفه، فقلت: لكنك تعلم في قرارة نفسك أني أملك الجواب الصائب.. ‌فرد قائلا :”نعم أنا أعلم من الوهلة الأولى أنك تملكِينَ الجواب الصحيح ،لكنك لم تعرفي كيف تحافظين عليه.. الغرض من الدورة الاستدراكية بالنسبة لي -هذة المرة على الأقل – هو امتحان ثقتك في نفسك وفي أجوبتك وليس امتحان مكتساباتك… لقد أضعت الجواب الصائب لأنكِ مقلّدة ولا تملكين إرادة حرة .. لقد نالت منك نظرة سريعة وعشرون زميل ..‌أصابني البُكم مجددا، وأدركت أن الأهم من المكاسب والمعارف هو اكتساب الثقة فيما نكتسبه… الأهم من اكتساب عقل فطن، هو اكتساب عقل مستقل ومنفصل عن الآخرين..

الأهم من الانتماء إلى “حزب القلائل” هو مقاطعة مبادئ الأغلبية، وأول هذه المبادئ، الرضوخ للقطيع، فقط لأنه يمثل الأكثرية.‌ لا تُغيّبْ أبدًا نداء العقل والمنطق مهما بدا لك الآخرون على حق.. ومهما شكك بك المشكّكون وماأكثرهم! ‌الأفضل أن نظل متمسّكين بأفكار تمثلنا وإن كانت تبدو غير صائبة، بدَلَ الثقة في أفكار الآخرين لأنها تمثل الأغلبية.. أن تثق بنفسك -وهنالك احتمال الصواب والخطأ- خيرٌ من أن تثق بالآخرين واحتمالُ الخطأ وارد. لا شيء يضاهي فداحة أن تخون نفسك لأنك تراها مخطئة، وتكتشف فيها بعد أنها كانت على صواب!

لقد تذكرت هذا الموقف عند قراءة مقال تأثير الأربعة، من كتاب “نظرية الفستق” لفهد عامر الأحمدي. فالمقال يسرُد تجارب تؤكد “حقيقة أن 99% من الناس مخلوقات اجتماعية مسايرة وتتساهل مع أي فعل جماهير وإن كان خاطئا“. وعلى سبيل المثال، نذكر تجربة “آش”: لقد أجرى خبير علم النفس “سولومون آش” تجربة في بداية خمسينيات القرن الماضي، أبانت كيف أننا قد نفضِّل رأي الجماعة الخاطئ على رأينا الشخصي الصائب. وتعتمد تجربة سولومون على قيام الخبراء بطرح أسئلة للمشاركين عما يشاهدونه من خطوط على سبيل المثال، حينها يقوم الممثلون المتفق معهم على ذكر إجابات خاطئة وغير منطقية، لقياس تأثير ذلك على إجابات الشخص الوحيد الذي لا يدرك حقيقة التجربة بشكل كامل. فيجيب الجواب الخاطئ ،فقط لأن الاغلبية أشارت إليه .ختاما ، لا شك ان لا أحد منا سلِم من مواقف مشابهة ، أشعرته المعنى الحقيقي ل”الشمتة” وأي بؤس في أن تترك الناس تجرُّك إلى الطريق الغلط…

لذلك، احرص -دائماً- على أن تربط سؤال “هل يُعقَل أن يكون الجميع على خطأ، وأنا الوحيد على صواب” بجواب: “نعم، يُعقل جدا أن أكون أنا الوحيد على صواب، بينما الجميع على خطأ”.

وفاء أبجمة

تفضيل الأغلبية الخاطئة على الأقلية الصائبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.