استقلال امرأة

ضيف جديد على البلدة، قادم من بعيد هارب من مصيره الأليم نحو الحرية والاستقلال إلى هنا. رحلة حياة جديدة على وشك أن تبدأ بعد أن حطت ريتا حقيبتها الجلدية الصغيرة طينِيّة اللون، فوق سرير بيتها الجديد المهترئ، تتفحص عيناها، الكبيرتيْن ذاتا اللّون العسلي، الغرفةَ بخجَل، تبادِلُها الغرفة نفس الشعور، فما زالتا غريبتيْن عن بعضهما البعض. تتمدد لبرهة لتأخذ قسطا من الراحة بعد سَفرها الطويل، تحدّق بتمعن سقف غرفتها القصبي العالي، ليتحول تركيز بصرها فجأة نحو أكبر مخاوفها، إلى عنكبوت ضخم، اتخذ طريق نزوله نحوها مباشرة، تنهض مفزوعة من فراشها: حان وقت التنظيف.

في صباح اليوم التالي، تستيقظ ريتا وكلها حيوية وفضول لاكتشاف بيئتها الجديدة، تفتح نافذتها المطلة على شارع رئيسي ضيق، تتزاحم من خلاله السيارات الآتية والذاهبة مشكلة ضوضاء بمزاميرها طيلة الطريق، تدخل أشعة الشمس لتنير غرفتها بدفئها الصباحي، تتناول إفطارها أولا، خبز توست بائت وقطعة كعك البارحة. آن وقت التسوّق، تحمل حقيبتها وتذهب.

فور خروجها، تستنشق ريتا نسيما عليلا، نسيم الحرية ذاك، الذي لطالما حلمت به طول هاته السنين، تلتفت إلى السماء و كلها شكر، يفسد تمعنها فجأة نظرات غريبة تطل من النوافذ العالية خفية، هناك من أظهرت نفسها وهنالك من فضلت الاختباء، تحيي الاثنتين بابتسامة ملتفتة إلى طريقها. امرأة عجوز قصيرة القامة منحنية الظهر، تبدو على ملامحها قسوة الحياة، تمر بجانبها بجلبابها الفضفاض مكشرة وجهها، رافعة رأسها نحو ريتا، مرددة كلمة “عيب” ثلاث مرات على التوالي. في دهشة، تفحص ريتا نفسها متسائلة، و هل ملابسي تبدو لها غير محتشمة؟

بعد بضع خطوات، تشعر ريتا بهمسات امرأة متسائلة تلاحقها، هل تقطن وحيدة في ذلك المنزل يا ترى؟ عازبة أم مُطلقة ؟ لترد عليها الأخرى بسؤال أكثر حدة: من من هربت يا ترى؟ تسترق ريتا السمع دون قصد فلا تكثرت، ربما يتحدثان عن شخص آخر. لا ذلك و لا تلك، يقولون أنها فعلت فعلتها و هربت بعد أن تخلى عنها ابن الحرام و علمت العائلة بضياع شرفها، و هل تعلمان أنها وصلت إلى هنا ليلا ؟ وحده الله يعلم من أوصلها! تجيبهما امرأة أخرى لا تعرفهما لكن سمعت هَمْسَتَيْهما. تضغط ريتا على صدرها بيديْها بشدة، تتباطئ خطواتها بُغية استيعاب ما سمعته أذنيها للتوّ، عيون أخرى استهجنوا أمرها تلاحقها من كل النواحي، رجال ونساء حتى أطفال أبرياء يوجهون سبّاباتهم لها، متسائلين: أتتحدثين عن هذه الفتاة يا أماه؟

المكان يلفه الظلام فجأة، تدخل ريتا في نوبة فزع فور إدراكها بما يحدث حولها، معاتبة نفسها لإلقائه في بئر ظالم مظلم للمرة الثانية – الفرق أن هذه المرة كان اختيارا- شعور بيأس يبادرها بغتة بعد تشبتها ليلة البارحة بأمل الحياة الذي ما بات حتى أفلت ذلك الوصل بين ليلة وضحاها. خطواتها تتسارع مع ازدياد لهاثها، تتوقف للحظة لتلتفت ورائها، فتتفاجئ بكمية الأعيُن التي تلاحقها وضخامة الأمر الذي يحاصرها داخل دائرته التي تزداد ضيقا كلما خطت، ماذا فعلت؟ “لا تقلقي، ستعتادين، مرحبا بك في الزقاق.” ردد صاحب المحل مبتسما، شيخٌ وقور، من سكان نفس الحي، أثارت ابتسامته الدافئة كل تجاعيد وجهه، وإن كانت تدل على شيئ فعلى سعة صدره، حسن خلقه ولطافته. تلتفت إليه في ذعر وبوجه أبيض شاحب وكأنها رأت شبحا، لا تبالي لقوله، تشتري متطلباتها – بعض المواد الغذائية الضرورية-، تمد له ورقتين نقدِيَّتَيْن وتذهب غير مبالية لصياحه، حاملا الفكة.

بسرعة برق، عادت ريتا إلى منزلها، أغلقت الباب بكلا قفليْه، وأسندت ظهرها إليه بكل قوتها، وكأن ظهر جسمها النحيل الشائب الجميل قادر على إغلاق الباب بإحكام أكثر، تنهار لتجد نفسها جالسة، ظهرها متكئ على الباب وأكياس مشترياتها بين يديها، منهكة تبكي. يبادر ذهنها فجأة، بعد ذلك، كلمات ذاك البقال، -وكأنها قيلتْ للتو – التي أنارت ذات الفتيل فتيل الانتصار والحرية ذاك نفسه الذي بادرها يومها حين قررت الانصراف بحثا عن حريتها، لن توقفها نظرات مجتمعها بعد الآن، لن توقفها تلك الأنوف الحَشَرية التي تتدخل فيما لا يعنيها، في تفاصيلها الشخصية، فهدفها أقوى من ذلك، تلك العنيدة معاكسة التيار، مسحت دموعها وأطلقت شعرها وصفّفته بعناية، وقفت أمام المِرآة وكلها تصميم، قائلة: هنا سأبقى، سأعتاد، هذه مسؤوليتي.

استقلال امرأة

‫6 تعليقات

  1. قد يحتاج وصف واقع المرأة العديد من الأقلام، لكن كلها تبقى عاجز عن إعطاء الملف حجمه الذي يحتاجه، غير أن هذه القصة رغم الزمن القصير الذي تناولته استطاعة ايصال فكرة عن نظرة المجتمعة المقزمة لدور المرأة، بطريقة جميلة…أحسنت

  2. سرد يتميز بالسلامة والبساطة الجميلة في الوصف الشيئ الذي اطلق العنان لمخيلتي لكل موقف وحركة شيئ رائع إبداع بالتوفييييييييق

  3. قصة رائعة جدا ❤❤و معبرةو فعلا تعالج احدى المشاكل التي تعاني من المرأة و المجهود واضح
    أتمنى ان تستمري في الكتابة و بالتوفيق 😊🥰🥰🥰

  4. سرد روائي بليغ و خالي من الإطالة المملة. نقد مبطن و صريح.
    كما سلطت الضوء على حال مجتمعنا و نظرته للمرأة محاولة وضع اليد على الجراح. يجب ان يطفح ما هو نتن لكي نزيله ونقمعه لا ان نداري الغبار تحت السجاد ونسري . مزيدا من التقدم والنجاح .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *