موعد بنكهة أخرى

هل فعلا الطبيب النفسي من شافاني؟

بعد دقات سريعة على باب ينتظر الجميع انفتاحه بشغف طفل سيسبح للوهلة الأولى، جاءنا صوت رقيق يدل على أن صاحبه شاب لم يعش سوى ربع قرن أو أكثر، يحثنا على الدخول للموعد لتبدأ الأسئلة الاعتيادية بالتدفق، أسئلة تبدو للوهلة الأولى سهلة، إلا أنها صعبة جدا بالنسبة لمن عاش ولا زال يعيش وسط كومة من الذكريات البالية، المشاعر المضطربة، الأحلام البعيدة، الآمال المعلقة، من تتسرب من بين أيديهم السعادة كأنها حفنة ماء!

كلما لاحظت التردد والخوف يستعمران ملامح رفيقتي، حاولت الإجابة مكانها مستحضرة معلومات قليلة تتعلق بها، علنا نخرج من هذا المكان الذي يذكرني بدوره بدموع تساقطت على وجنتي دون أن أستطيع لها إيقافا، شعور الارتباك الذي لم يفارقني وثرثرة لا نهاية لها.

ما لفت انتباه الطبيب ليسألني بابتسامة عريضة، شاهدتها مرات ومرات: ما اسمك؟ وما العلاقة التي تربطك بالمريضة؟
وبدهشة من يرى لأول مرة مراحل تكون الفراشة، أجبته على سؤاله الأول، خائفة أن تتسرب من بين شفتي إجابة سؤاله الأخير، فبهذا سأضرب بجميع الجلسات عرض الحائط!
وبكلمات تتسابق فيما بينها؛ من سيخرج الأول ليفوز بمسابقة الركض المنظمة من طرف السيدان “الفضول” و “التعجب” سألني مرة أخرى: ما السر وراء هذه الطاقة الإيجابية والابتسامة الجذابة، إن لم تخني ذاكرتي، لم تنهِ الجلسات بل اختفيت فجأة وبدون سابق إنذار لتضحي لغزا محيرا؟
هل لجأت لطبيب آخر أم أنك اكتفيت بالأدوية التي حدثتك عنها؟
كيف أصبحت أعصابك باردة هكذا كأنك من فصيلة “الأيسكريم”؟
كيف تجاوزت تلك الخيبة، مثل خيبة السجين الذي سمحوا له بالزيارة مرة واحدة في السنة وفي الأخير لم يأت أحد؟
كيف خلعت ذلك الجزء المسؤول عن التفكير كما يخلع المرء قميصه؟
كيف أصبحت تنامين على سريرك بسلام وبدون حاجة لمهدئات ومن دون أن تشتعل الوسائد والأغطية؟

وكما هي عادتي؛ لا أفكر بتاتا ولا أزن كلامي كما يفعل الناس العاديين، أجبته: اعتزلت الناس لمدة شهرين على التوالي حتى عندما خرجت من غرفتي أحسست كأنني كائن فضائي لم يعش قط على سطح الأرض، نمت، نمت كثيرا وبعمق حتى أضحى النوم أكثر فعل أتقنه، عشت مراسيم الجنازة كل يوم وبأدق تفاصيلها وبعد هذا كله تخلصت من الأدوية، مزقتها بكل ما أوتيت من قوة ثم ثرت على نفسي وانتشلت الغرباء من داخلي والمؤسف حقا، منهم من يتشارك معي نفس الكنية {…}
لقد جعلتهم شهداء حريتي!
انفصلت عمن يرهقني واقتربت ممن أهون عليه.
أتعلم أخبرتهم منذ البداية عن ظلمتي فقرروا أن يلعبوا دور الشمس! {…}

صورة تعبيرية

أصبحت لا أحمل الصباح وزر أوجاع الأمس والعجيب أن رغم كل هذا، فشلت؛ لم أعش سوى سعادة لحظية تختفي باختفاء سببها! لكنني عنيدة وأنت تعلم هذا، بذلت قصارى جهدي لأجيب عن أسئلة استوطنتني وأخيرا وجدتها بعدما أصبحت أقرأ القرآن بتمعن وتخشع، بعدما أصبحت ألتهم الكتب بشغف وحب….

لقد تغيرت، لم أعد أبحث عن كتف لأبكي عليه ولا أذن تسمعني، بل كلما ضاقت بي الدنيا ألجأ إلى ذلك الوطن الذي لن يخذلني رغم تقصيري، أريه كتفي ليرى أن الحمل ثقيل، أريه قلبي المنبوش بحكايات يعرفها وتفاصيل أخرى ستبقى سر بيننا، أسأله العوض، أتوسل إليه بأعظم أسمائه وصفاته ليعجل لعبده الإجابة والاستجابة، فأعطاني رغم تقصيري ورضيت رغم يأسي!
فوالله إن القلب إذا سار إلى الله بصدق وصل!

أما عن السعادة الحقيقية فوجدتها في التفاصيل؛ التفاصيل التي لا يعيرها الأغلبية اهتماما، ككلمة شكر تتلقاها، حضن يغمرك، نعمة صغيرة تستشعر عظمتها ويجحدها غالبية الناس، لحظة تأمل تزيدك إيمانا عميقا يعيد اتزانك، ابتسامة عابر غريب، جملة تختزل كل ما تود البوح به من كتاب أحببته، وردة من صديق؛ حتى حوار مليء بالنفاق مع أقاربي أضحى يفرحني لأحمد الله بعده كثيرا، فقد جعل فرقا بيننا وإن كنا نتقاسم نفس الدم!

عذرا أيها الطبيب، لم أتشافى بحصصك بل تشافيت بقدرة خالقي وبعنادي الذي لا يطيقه الجميع، فرجاء خصّص ولو ربع ذلك المال الذي جنيته مني لإسعاد أحدهم عساه يُحتسب حلالا!!

موعد بنكهة أخرى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.