قراءة في رواية الملف 42

“اقتضت العادة أن نمارس هواية القراءة لملء أوقات فراغنا، لكن أن نتفرغ للقراءة، فذلك نادرا ما يحدث”.

وفاء أبجمة

نعم؛ لقد تفرغت لما يقارب الأربع والعشرين ساعة لقراءة رواية “الملف 42″ – كان من المبرمج إتمامها في الـ15 يوما الأولى من الشهر الحالي- وأنا أعلم بداخلي مع تقدم سير الأحداث أنني سأندم على نهمي لها بهذه الشراسة.

رواية تستند -في أصلها- على واقعة مفجعة، ألا وهي كارثة الزيوت المسمومة بنواحي مكناس في أواخر خمسينيات القرن الماضي؛ التي تسببت في موت وشلل آلاف المغاربة. لكنّ المؤلف قرّرَ ربطها بخيال واسع وذكي، يترك القارئ في حالة عجز عن الفصل بين الأحداث الحقيقية والأخرى المنسوجة بالخيال، دفعتني كالغبية إلى تصفح صفحات الأنترنت باحثةً عن جميلة البارودي، صالح بلقاسم، رشيد بناصر،كرستين وغيرها من الأسماء التي صادفتني أثناء القراءة.

رواية شيّقة الأحداث، مُشوقة من ناحية السرد على الأسلوب السنيمائي، ومُشقية لما تناولته من مواضيع تُدمي قلب أي إنسان وذاكرة أي مغربي. إنه عمل إبداعي من كاتب مغربي شاب يشبه قلمه بساط الريح، تسافر من خلاله بين الأماكن (الولايات المتحدة الأمريكية، المغرب، روسيا..) والأزمنة ( 1950, 2002 ,2010..) والشخصيات ( زهير، رشيد ،لبنى ،براندون) وتتوه بين أسماء عمالقة الأدب العالمي وعناوين أفخم الروايات؛ كلها دلائلُ قوية أن كاتبنا في الأصل قارئ محترف وخبير !

كل ماذكرته سالفا، متوفر في أعمال معروفة وليس جديدا البتة، ولكن الإشادة تأتي من باب الاعتراف بصعوبه النجاح في سن مبگرة جدا وفي مجال إبداعي كالأدب.
الكتابة في نظري عملية تحتاج الموهبة،ا لثقة، الممارسة والقراءة ثم القراءة ثم القراءة ..وسلاح عبد المجيد سباطة الأول هو جودة ما يقرأ!

غلاف رواية الملف 42 – منشورات المركز الثقافي العربي

في الرواية، تجتمع ثلاثُ قصص على الأقل متباعدة. ومن البديهي أن يربط الكاتب بينهما كأسلوب مشابه لروايته”ساعة الصفر“، لكن الذي ليس بديهيا هو “فن حياكته” لخيوط هذه الروابط بذكاء وإتقان قلَّ نظيرهما في الأعمال العربية الحديثة؛ وهذا هو السلاح الثاني للكاتب.

تتناول الرواية مواضيع شتى تخصّنا كمغاربة وكأشخاص عاديين، أهمها :

  • التعامل المتعجرف والمتعالي للأساتذة الجامعيين مع الطلبة الباحثين، واستغلالهم دورهم كمشرفين في خدمة مصالحهم الشخصية وتوجيهم للطلبة وفق أهوائهم ؛
  • مآل زواج المصالح، تداعيات “مرض المراهقة المتأخرة” وداء المقارنات القاتلة؛
  • بروز وتطور الجنس والتمَلّق كآليات ناجعة وطرق مختصرة لـ”صعود” سَلالم النجاح الزائف ؛
  • شدة إلمام الرّوس بتاريخهم ومعالمهم وعظمائهم ؛
  • الحرب القائمة بين إنسانية الأديب ورأسمالية دور النشر والتوزيع؛
  • العنف الجسدي والمعنوي واللفظي ضد عاملات البيوت، خاصة القاصرات ؛
  • الطبقيَّة الاجتماعية والفكرية ؛
  • تعامل المغاربة مع كل ما هو أجنبي خاصة الفرنسي منه، بقُدسية سخيفة غير مفهومة ؛
    وغيرها من المواضيع الشائكة. لكن سلاح الكتاب هذه المرة كان هو تجسيد شخص واقعي في قالب خيالي.

ما سبق ذكّرني بتحفة النقد السياسي والاجتماعي المتمثلةِ في رواية المغاربة، و إذا بي أجد اسم “عبد الكريم جويطي” مذكوراً في آخر الرواية مشكوراً من طرف الكاتب، فازداد احترامي وتقديري له، كمبدع وكإنسان.

تعقيبي الوحيد على الرواية، هو بروز المؤلِّف كشخصية فيها، بروزاً واضحا بالاسم والصفة والطباع.. أمرٌ لا أستحبُّه كقارئة، لاعتقادي الشخصي أن الكاتب لغزٌ نفُكّ نحن القراء شفَراته من خلال قراءة كل أعماله!

وفاء أبجمة

قراءة في رواية الملف 42

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.