ذكريات الماستر

نهاية بلا تحية الوداع

بين الفينة والأخرى، أتساءل ما هو معيار الذاكرة في تسجيل أحداث ومحو أخرى؟
أحيانا تقوم بتسجيل وقائع بسيطة ليست بالأهمية الكبيرة في حياتنا، كأدق تفاصيل أماكن، وأقوال أشخاص، وحتى مشاعر وروائح…، لكن في المقابل تُمحى من الذاكرة أحداث مهمة نأبى أن نفقدها سريعاً، ليبقى السؤال هل نخطئ تقدير أهمية ما نعيش أمِ الذّاكرةُ عَبثية في أرشفتها؟ هل يمكن أن نتحكم في ذاكرتنا، أم لا نملك الوصاية عليها؟

وفي انتظار إيجاد حل لعشوائية الذاكرة، أدوّن ما علق بها، وما لا أريد أن يمحى سريعا، أدوِّن ما يحفّز الذاكرة على التذكر، ذكريات الماستر من أول يوم وحتى التخرّج محاولا جاهدا الاختصار وعدم اتباع نهج الذاكرة في خوض التفاصيل والتغاضي عن الأهم.

أبدأ باللقاء التواصلي، أول لقاء مع زملاء نعرف البعض منهم ونجهل الكثير، ليسود الانطباع الأول الذي لم يكن موفقا في حكمه على الأشخاص. حافظت الذاكرة من هذا اللقاء على ما قاله منسق الماستر: لكي تكونوا طلبة باحثين يجب أن تمسحو من قاموسكم وجود نهاية أسبوع للراحة كل الأسبوع للعمل في إشارة لأهمية استثمار الوقت، القول الذي لم أطبق منه الكثير، هذا إلم أقول أن نهاية الأسبوع كانت أحيانا أكثر اتساعا من البداية.

المهم تعاقبت عروض تتخللها عثرات البدايات، أمام نذرة المراجع في كليتنا، كل أستاذ والطريقة التي يشتغل بها، كل يغني على ليلاه، أحيانا شكلنا معه أوركيسترا بديعة في غنائها، و أحيانا أخرى ظلمت ليلى، لم تكن تجربة العروض مثالية لكن الأكيد كانت مفيدة جدا، حيث انتقلنا من تلقين المعلومة في الإجازة إلى تقييمها، وصياغتها في مناهج علمية، زيادة على تنقيحها بالمستجدات، وتطعيمها بالمعطيات، إضافة إلى إبداء أرائنا في مجموعة من الإشكالات القانونية،…

توالت الأيام وجاء ضيف في ذروة العام الثاني من الماستر، نعم بهذه السرعة وصلنا إلى العام الثاني، لست مسؤولا عن توزيع كلمات هذه التدوينة على الأحداث التي تخللت العامين رغم أهميتها، ألم ألمِّح إلى أن الذاكرة ظالمة؟

صورة تعبيرية

ربما تجود علينا بالتفاصيل في وقت لاحق! لكن الآن تقفز إلى لحظة وصول الضيف، لم يكن فقيه يهدينا، ولا ممارساً يرشدنا، بل فيروساً يغلق باب القاعة 16 التي احتضنت طلبة الماستر؛ فكان الملاذ الأخير مجموعة في الواتساب، كل النقاشات والأحداث تمت رقمنتها لتفقد بذلك طعمها الحقيقي، امتحانات عن بعد، على أمل أن يرحل الضيف ويكون لنا لقاء أخير قبل الوداع في مناقشة الرسائل، ونفرحَ بأداء الأغاني الفردية، كلٌّ يُغنّي على ليْلاه بكلماته وألحانه، لكن مَرّة تلو المرة تخذل ليلى- مرضت ولم نكن لها الطبيب المداوية-، ولكون الضيف يأبى الرحيل، جاملناه بدراسة تأثيره على القوانين، وما نتج عن حضوره من ضرر على المجتمع عجز القانون على تداركه في إشارة إلى الرغبة في رحيله، لكن ذلك لم يحرك فيه ساكنا، فكانت المناقشة عن بُعد، اخترتُ أن أسلط فيها الضوء على المجال الذي يضيء ألوان الحياة؛ على الفن في علاقته بالقانون، لأغني للمغني مخافة خذلان ليلى.
ومن يا ترى ليلى؟
أهي روح العدالة التائهة بين القوانين، أم القوانين التي بلا روح؟، أتراها الحرية في تقنينها، أو الفوضى في تعميمها؟

هكذا، كانت نهاية الماستر شبيهة بنهايات الأسابيع التي حدَّثَنا عن أهميتِها المنسِّق، نهاياتٌ فقدناها بمحض إرادتنا، ونهاية أفقدنا إياها الفيروس اللعين، سجلت الذاكرة ومعها التكنولوجيا الأحداث المهمة، منها أطوار المناقشة، لكن أدركت قيمة التفاصيل في غيابها، تفاصيل القاعة 16 التي لم تحتضن المناقشات، المشاعر التي وقف الوسيط الإلكتروني سدا منيعا أمامها، وشوشة حضور المناقشة من زملائي الذين لم أحيهم تحيتي المعتادة في كل مداخلة…

تحية طيبة لزملائي في ماستر قانون الأعمال، الذين لن أنساهم مهما حاولت الذاكرة جاهدةً أن تفعل ذلك، لأنهم حفروا مكانهم في الوجدان أولًا.
تحية طيبة لجموع الحاضرين.

محمّد دحان

ذكريات الماستر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *