الجرافيتي بالدار البيضاء

حين تنطق المباني جمالا

عديدة هي الطرق التي يحاول بها الإنسان إيصال أفكاره و ما يخالجه مند قديم الزمان، كالكتابة والشعر والرسم، هذا الأخير يعتبر بحر بحد ذاته، فله من تعدد الأنواع ما يجعله كدلك، والمؤكد أن أقدم أنواع الرسم والتعبير في التاريخ على الإطلاق هو الرسم على الجدران، أو المعروف اليوم بفن الجرافيتي أو الستريت ٱرت.

تاريخ ضارب:

الجرافيتي أو الرسم على الجدران ليس فن وليد اليوم، بحيث يعتبر فنا قديما قدم التاريخ نفسه، أيام وجود الحضارات الفرعونية والرومانية والاغريقية، بل تمتد إلى عهد إنسان ما قبل التاريخ ولعل إكتشاف رسومات على جدران ٱثار هده الحضارات وعلى جدران المعابد القديمة خير دليل على دلك بحيث كانت تحتوي هذه الرسوم على رسائل مختلفة بأدوات ربما تختلف عن ما يوجد الٱن. ولعل أبرز مثال الرسومات التي تزين الآثار الرومانية بمدينة وليلي بالمغرب أو قرطاج بتونس أو تلك التي تتواجد في مصر الفرعونية القديمة بموقع الأهرامات، في وقت كان الرسم على الجدران الوسيلة الوحيدة للتعبير عند الإنسان القديم.

أعمال مشهورة وهوية مجهولة:

من المبادئ التي يسير عليها أغلب رسامي الجرافيتي، أن يظلو مجهولي الهوية، بحيث يعرفو عادة بأسماء مستعارة يوقعو على أعمالهم بواسطتها، ويحضرنا هنا الفنان صاحب الإسم المستعار” روبرت بانسكي ” أشهر فنان جرافيتي في العالم، والدي يظل مجهول الهوية والإسم الحقيقي رغم أن له رسومات تزين جدران مناطق مختلفة من بريطانيا وبعض دول العالم، التي تتناول مواضيع ثقافية وأخلاقية في الغالب.

ظهور الجرافيتي بالمغرب :

وأنت تسير في مختلف شوارع مدينة الدار البيضاء بالمغرب، تستوقفك جداريات عملاقة تم إنجازها بإتقان كبير وبحرفية شديدة، مما يجعلك تقف رغما عن أنفك لتتأمل تلك الإبداعات الرائعة، لكن وراء كل إبداع قصة معاناة وجهد شديدين. فالأصل في فن الجرافيتي، هو المحاربة من طرف السلطات لكونه في كثير من الأحيان يحمل رسائل إجتماعية أو سياسية تشكل إزعاجا للسلطات، فهو فن يجعل من التمرد مبدءا له، ومن مظاهر معاناة ممارسي هذا الفن بالمغرب عامة، أنهم يفاجؤو أحيانا عديدة بمسح جدارياتهم فجأة أو تخريبها.

بدأ هدا الفن في الإنتشار في المغرب خلال أواخر التسعينات مع ظهور فنون الهيب الهوب والراب بحيث كان يعمد ممارسي هدا الفن الى الرسم على الجدران لإيصال رسائل تمردهم وعدم رضاهم عن عدة اشياء كالعنصرية او السياسة والظلم ومستوى المعيشة وهنا يظهر الارتباط الوثيق بين الجرافيتي وموسيقى الهيب هوب والراب كفنون تحكي هموم الطبقات الفقيرة، وكان الراحل ربيع العدوني أشهر ممارس لهذا الفن بالمغرب ومن أوائل من ادخلوه إلى البلد، فكان يجعل من الجرافيتي أسلوب حياة. الشئ الدي جعل شباب اليوم من ممارسي هذا الفن بالمغرب يسيرون على خطاه، وقد تعرف المغاربة على هذا الفن أكثر خلال مهرجان البولفار للموسيقى، وأيضا من خلال كتابات الألتراس المشجعة للفرق المغربية التي كان ترسم على الجدران شعارات فرقها والرسائل التشجيعية لها، ويعرف المغرب في وقتنا الحالي فنانون بالفطرة جعلو من فن الجرافيتي أسلوبا لحياتهم، بحيث إختارو تزيين جدران الشوارع و المباني برسومات لإيصال رسائلهم بلمستهم الخاصة التي تعكس رؤيتهم للحياة بطريقة إبداعية متميزة.

تعتبر مدينة الدار البيضاء من أكثر المدن عربيا وإفريقيا ومحليا التي تعرف أشهر شوارعها بتزيين المباني برسومات تستوقف المارة وتتحف نظراتهم من شدة إتقان الجداريات التي تحمل في طياتها إبداعات من طرف رسامين سخروا كل إمكانياتهم وألوانهم من اجل اعطاء الحياة لواجهات وجدران تلك المباني.

إبداعات في الصميم:

بشارع العنق الشهير بالبيضاء والمطل على الساحل، تتزين مباني الشارع بجداريات فنية عملاقة اختار مبدعوها ان تكون مواضيع هده الجداريات موجهة للعنصر النسوي كنوع من التقدير لهن، من تنظيم كازا موجة الذي يعتبر مشروعا لعلامة”حنا كازا بلانكا” أو “ نحن الدار البيضاء“، ولا يقتصر الأمر فقط على شارع العنق بل تزينت شوارع أخرى بجداريات عملاقة بشارع المقاومة والمدينة القديمة ووسط المدينة، متنوعة بين بورتريهات وفن تجريدي وبوب ٱرت مما يجعل هامش التعبير عن الافكار واسعا، وأمام ملعب محمد الخامس الشهير، تتواجد جدارية لشاب يحمل كرة بيديه ممثلا العديد من شباب جيله الذين يطمحون لان يصبحوا لاعبي كرة القدم ولعل اختيار مكان هذه الجدارية بجانب ملعب شهير بالمغرب وبمدينة تعتبر من أكثر المدن المحتضنة للمواهب الكروية الشغوفة في إفريقيا فكان هذا الفنان صاحب هذه الجدارية موفقا في ايصال رسالته.

الجرافيتي بالدار البيضاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.