أزمة اللاجئين بالسويد – 1

بين صعود "SD" اليميني وتراجعات "دبلن" المرتقبة

جرت رياح التاريخ في بداية القرن الحادي والعشرين بما لا تشتهيه نفوس الآلاف من طالبي اللجوء عبر العالم خصوصا صوب القارة العجوز. أزمة تلو الأزمة وحروب وتقلبات سياسية ومناخية دفعت جزءا مهما من شعوب الشرق الأوسط وإفريقيا لركوب رحلة مخاطرة غير محسوبة العواقب لعبور حدود طبيعية وأخرى سياسية بهدف الوصول لأرض تضمن الأمان والعيش الكريم. أوروبا التي كانت سابقا أملا ومهربا للكثير من طالبي اللجوء السياسي وكانت حاضنة دائمة لهذا الحق المكفول بفعل وقوة اتفاقية جنيف سنة 1951 والبرتوكول الإضافي لسنة 1967 أضحت تعيش على إيقاعات التشدد في سياسات الهجرة من غلق للحدود والتراجع عن سياسة “الكرم” في استقبال مزيد من اللاجئين.

دولة السويد بتاريخها الحقوقي العريق لم يسلم مشهدها السياسي من هذا التراجع وطبعت دينامية أحزابها السياسية حضورا قويا لأحزاب يمينية اتخذت من الهجرة “أزمة” لتسجيل مزيد من النقاط والظفر بالمزيد من الأصوات الانتخابية. هو مشهد يتمثل في ارتفاع أسهم حزب SD “سفاريا ديمقراتينا” المعادي لسياسات الحكومة السويدية بخصوص الهجرة وحتى للمهاجرين.. فكيف يمكن تفسير تنامي المد اليميني في السويد مؤخرا ؟ وما تأثير تراجعات اتفاق “دبلن” المرتقب على سياسة الهجرة واللجوء في السويد ؟


قبل البدء في مناقشة خطاب الحزب اليميني SD ولفهم مدى عمق وخطورة التحول السياسي الذي يمكن أن يحدثه تنامي قاعدة هذا الحزب، وجب التذكير بطبيعة النظام السياسي الديمقراطي لدولة السويد التي تعتبر من أعرق الديمقراطيات في العالم شكلا ومضمونا وتتخذ – بالإضافة إلى دول اخرى- نموذجا يقتدى به دوليا:

المجتمع الإسكندنافي عموماً مبني على قاعدتين أساسيتين هما التنوع والتسامح؛ وهذا الأمر انعكس على المستوى السياسي بنهج السويد لسياسة استثنائية عمادها أولا عنصر التوافق والإجماع السياسي، وثانيهما عنصر الاستقرار المؤسساتي، الشيء الذي كرس ما يسمى ب”دولة الرفاه” خصوصا بعد أزمة 1990، التي أعطت دولة السويد الأولوية لمسألة “العدالة الاجتماعية” تتبنى سياسة اقتصادية ومالية ترفع من نسبة الضرائب لتمويل نظام مساعدة اجتماعية بعد الحوار المستمر بين الدولة، الشركاء الاجتماعيين وأرباب العمل.

السويد ودعت سخاءها التقليدي لتشدد قوانين اللجوء

تاريخ هجرة سخي: تاريخيا ومنذ سنة 1975 عوضت السويد سياستها في الهجرة من سياسة المماثلة- assimilation- إلى سياسة التعدد الثقافي -Multiculturalisme في احترام صريح للحقوق الثقافية والخصوصيات الهوياتية للقادمين الجدد.. مرورا بسنة 1980 حيت استقبلت السويد موجة لجوء من الشيلي، لبنان، يوغوسلافيا سابقا. لكن حساسية مسألة الهجرة بدأت تظهر أواخر التسعينيات مع ارتفاع أصوات الخطاب الشعبوي اللامتسامح الذي وجد صداه لدى فئة من المواطنين السويديين جراء أزمة السكن وركود سوق الشغل. ثم قرار انضمام السويد لفضاء “شينغن” سنة 2001 وفتح الحدود مع دول الاتحاد الأوروبي. إلى أن جاءت أزمة الهجرة واللجوء لسنة 2014-2015 جراء الأزمة السورية وهجرة مواطنين من إفريقيا أيضا بشكل أصبحت نسبة ساكنة السويد المولودة خارج البلد تشكل 16% من مجموع السكان وأصبحت السويد تحتوي على أكبر ساكنة أجنبية في أوروبا حسب L’OCDE، وعرفت طلبات اللجوء -حسب وكالة الهجرة السويدية- ارتفاعا كبيرا من 80.000 طلب لجوء في سنة 2014 إلى 160.000 طلب لجوء سنة 2015. وبعد ذلك سُجل تراجع وانكماش واضح في سياسة الهجرة لأسباب داخلية وأخرى خارجية مرتبطة بالسياق الأوروبي الذي أصبح أكثر تشددا أمام موجات الهجرة فكانت النتيجة تنامي الغضب الشعبي نتيجة أزمة البطالة واتساع الهوة بين السويديين الأصليين والقادمين الجدد، بالإضافة إلى تركز المهاجرين في مناطق بعينها كمالمو و rosengard.. مما يدل على بوادر شرخ اجتماعي.

“نحن نصف الناس كما هي، حياتهم ووضعياتهم بطريقة يعترف بها ويؤكدها الكثير من القراء، أعتقد أن هذا هو السر..”

هكذا صرح جيمي أكسون زعيم حزب SD اليميني في تصريح لقناة Arte.TV في 22 من مارس لسنة 2019. تصريح حاول من خلاله الافتخار وتفسير ارتفاع شعبيته أنذاك وفقا لاستطلاعات الرأي الرسمية بحيث حصل في انتخابات 2018 على 17,6% من الأصوات مقابل 12,9% في انتخابات 2014. خطاب SD يتغذى من عنصر تخويف المواطنين السويديين من المهاجرين أو ما يسمى ب “الزينوفوبيا“.

جيمي أكسون زعيم حزب SD اليميني

انتخابات 2018 كانت استثنائية وأشرت على منعطف جديد في المشهد الحزبي والسياسي لمستقبل السويد، تمثلت أساسا في انقسام الأحزاب السياسية وتسجيل الحزب الديمقراطي الاجتماعي أدنى نسبة انتخابية له منذ قرن من الزمن بمعدل 28,4% من الأصوات فقط، الشيء الذي عقد مسألة حسم التحالف الحكومي الذي سيمثل الأغلبية وانتظار أربعة شهور بعد التفاوض ليترأس “ستيفان لوفين” منصب الوزير الأول في تحالف شُكل لمواجهة صعود اليمين المتطرف وشمل بالإضافة إلى الاجتماعي الديمقراطي حزب الخضر و الوسط و الليبيراليون.

لكن “السر” الذي فسر به جيمي في تصريحه تصاعد شعبيته أنذاك لا يبدو صادقا.. فخطاب اليمين المتطرف لا ينبني على الصدق كما يدعي؛ ولكن على تبني أسلوب التخويف وتشويه الحقائق وعجز حزبه عن طرح حلول واقعية للمشاكل والتحديات المطروحة على الحكومات السويدية خصوصا فيما يتعلق بالاقتصاد، وهنا بيت القصيد..

لتوضيح أكبر للصورة سنقدم تفسير منظمة “اليونسكو” لرهاب الأجانب: “هناك سببان مطروحان لتفسير سبب ظهور الحركات العنصرية المصابة برهاب الأغراب (الزينوفوبيا) في نهاية القرن العشرين. السبب الأول هو أنماط الهجرة الجديدة، التي أصبحت أثرا للتدويل التدريجي لسوق العمل خلال عصر ما بعد الاستعمار. ففي الدول المستقبلة للمهاجرين، تعتبر المجموعات الاجتماعية ذات الأوضاع غير الملائمة القادمين الجدد منافسين لهم على الوظائف والخدمات العامة. سبّب هذا مناخا اجتماعيا وسياسيا خلق بدوره عنصرية ورهابا من الأغراب (..) أما السبب الثاني، الذي يعزى إليه ارتفاع موجه رهاب الأغراب (الزينوفوبيا) والعنصرية، فهو العولمة. فقد أدت المنافسة المحتدمة بين الدول إلى تقليل خدماتها في مناطق الرفاهية الاجتماعية والتعليم والرعاية الصحية. أثر هذا التقليل، على وجه الخصوص، في شرائح سكانية على هامش المجتمع. غالبا ما تكون هذه المجموعات في منافسة مباشرة مع المهاجرين على خدمات الرفاهية (..) أظهر بحث علمي أن عدم الإنصاف الاقتصادي وتهميش الأشخاص بعيدا عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية الأساسية، يزيد من حدة التوترات ومظاهر العنصرية والزينوفوبيا، فهؤلاء الذين ينظر إليهم كدخلاء او أغراب، أو غالبا مهاجرين، لاجئين، وطالبي لجوء، ونازحين، وغير مواطنين، يُعدون أهدافا سياسية”.

يتبع…

أزمة اللاجئين بالسويد – 1

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *