في سبيل الوطن

هل يحبنا الوطن كما نحبه؟

نحن العرب عبيد لأوطاننا؛ كمجموعة من الغرقى نتشبت بالوطن وكأنه لوح خشبي في وسط البحر سيجرنا الى اليابسة. نتعلق به بشدة كرضيع يقبض على أطراف ثوب أمه التي تجهل احتياجه إليها وإلى حضنها لا إلى القطرات القليلة من الحليب. نمسك بكلتا يدينا أتفه الأسباب، نحضن الذكرى بين أصابعنا كمن يشد على سيجارة شبه منتهية تحرق أطراف أنامله لكنه منتش. نضم إلينا ذكرياتنا التي غالبا ما تكون مشوشة، تعيسة، ومضحكة من النوع الذي يخلف المرارة في حلقك بعد أن تبتلعه بكل شراهة.

في كنف هذا الوطن انطفأ فينا الكثير، تبخرت الكثير من الأحلام، تلك التي كانت تواسي طفولتنا المسلوبة. أحلام أكبرها أن نحيا حياة كريمة، نحن الذين اعتدنا الإيثار على أنفسنا حتى فيما نتمناه.

في أوطاننا العربية نتشارك الماضي والحاضر. صحيح أن الحرب لم تعرف طريقها إلى المغرب مذ أن غادرنا المستعمر وأن الاستقرار ينشر ثيابه الفضفاضة على سماء بلدنا، إلا أنه في داخل كل منا جزء في حروب البلدان العربية الأخرى. نتشرد مع أطفالها نستشهد مع أبطالها نسير في جنائزها نتساقط خرابا مع كل البيوت التي غدت أنقاضا ويدمينا هذا الواقع المؤسف.

في زيارة لي لأول مرة لبيت صديق للعائلة في الريف، استرعت انتباهي بندقية تغلفها آثار الزمن تتوسط الحائط وبجانبها بضع صورة بالأسود والأبيض لرجال تبدو من هندامهم مراتبهم في الخدمة العسكرية. أشار سِّي عبد العزيز بسبابته إلى نفسه في الصورة، كان يتلقى وسام تقدير عن الملك، وبوجه لا يخلو من الفخر؛ عقَّب قائلا :”ماذا قد يتمنى الإنسان أكثر من لحظة كهذه تكافئه على كل أتعاب حياته ولا يهمه إن أخذه الموت بعد ذلك. الحُرّ ابنتي كيموت على جوج على بلادو وعلى ولادو “.
تأملت قليلا ملامح هذا الكهل الذي قضى شبابه في الدفاع عن وطنه، ما الذي يزرع الوطنية في نفوسنا حتى ننطلق في حرب نجهل بعدها مصيرنا ومصير كل من تركناهم في الانتظار وندرك أننا قد نعود بعدها أمواتا أو أحياء في جسد معطوب؟؟ ما هاته القناعة التي تتلبَّسُنا حتى نهرول إلى الموت بكامل إرادتنا، نلقي بذواتنا إلى الهلاك في سبيل أن نتلقى بعد كل ذلك العناء وساما وبضع صور لذكرى التكريم؟

صورة تعبيرية

لم يكن سِّي عبد العزيز على صواب هذه المرة، فما هذه الحرية التي تدفعك لترك أولادك وعائلتك بين يدي مصير مجهول، يطرق وحش اليتم بابهم كل ليلة وهم في انتظار أبشع الأخبار. وحدها أوطاننا من تلبس الحرية ثوب التضحية، نجاهد من أجل وطن متحرر من سيطرة خارجية بينما نظل عبيدا لهذا الوطن الذي لا يتردد أبدا في وضعنا في الصفوف الأمامية في الحرب، فنظل نحبه ونظل نتمسك به حتى آخر نفس. في هذه اللحظة بالذات أدركت أن إحساس الوطنية يولد معنا ولا نكتسبه بغض النظر عن الرقعة الجغرافية التي نجد أنفسنا داخلها. الوطنية لا تعرف جوازا للسفر ولا تملك جنسية! فهنيئًا لوطنٍ خائنٍ بأبنائه الأوفياء.

يلدنا هذا الوطن، يلدنا من رحم يكاد يتعفن من العقم، لا يجيد سوى استنساخ اشكال متعددة من مواطنين طُبِعَ على جبينهم بخط أحمر واضح “طاعة”. يلدك دون أدنى محاولة لاستبيان إن كنت توافق على ذلك، يضعك في كنف حياة ومجتمع وعائلة بحيث يتناوب الثلاثة على خط سجل مرورك من هنا كلٌّ على سجيته، أول ما يسلب منك هو الحرية لكي يمنحك في المقابل اسما وحقك في التزام الصمت وبضع أناشيد تبعث فيك القليل من الأمل لاستعادة حريتك المنهوبة.

نقضي حياتنا نمجد الوطن ونصلي من أجل استقراره، نحن الذين لم تعرف دواخلنا سوى الشتات، نتمسك بأصغر الأسباب حتى لا نهم بمغادرة الوطن الذي لم يتردد يوما في تشريد مشاعرنا دون أدنى شفقة. تقول أمي انها لا تريد ان تتوفاها المنية في بلاد أخرى غير بلادها، وفي رواية أبي فقد كانت ولادتي بعد يومين من إكماله كل استعداداته للرحيل هي السبب الرئيسي لمكوثه في أرض لم تمنحه شيئا سوى التعاسة، ولا انكر أنني ألوم نفسي كثيرا على تعاسته تلك. أسباب كنظرات طفلك الأول حديث الولادة، وأخرى كرائحة خبز أمك، كلها بالوعات تسحبك نحو الأسفل وتلصقك بالقعر حتى لا يتسنى لك الحراك وتخرس بذلك الشيطان الذي يحرضك على الرحيل.

نحب وطننا بكل العاطفة التي حرمنا منها داخله، نحن الاستثناء الوحيد من المقولة الشهيرة “فاقد الشيء لا يعطيه”، نتنفس وطنِيَّتَنَا بأنف مكسور وجسد منهك بالخيبات المتتالية، تتوافد علينا الحروب فتنتهي لكنها لا تغادرنا يوما، تتجول كالشبح في كل أعيادنا ومناسباتنا وترعب أطفالنا الذين سمعوا عنها من أسلافهم لا غير، تسكن أرواحنا فترهبها وتلطخ بدمائها وجه الطفل البريء بداخلنا؛ ونظل نحب الوطن ورائحة الخبز والتراب، ويظل الوطن يتلذذ بتمزيق اللافتة الوحيدة التي يرفعها أبناؤه والمكتوب عليها بخط احمر واضح “حياة، حرية و حب”.

في سبيل الوطن

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *