أوريد يضع العالم فوق المشرحة_ 1/2

قراءة في كتاب عالم بلا معالم

ما كان صدفة أن تشكل جائحة كورونا لحظة مفصلية تعيد ضبط القواعد الناظمة للعالم، هكذا أتت وقائع من قبيل الحجر الصحي، قرصنة وسطو على معدات ومواد طبية كانت محملة بمادة الكحول والكمامات وتحويل وجهتها إلى إيطاليا، الحديث عن أزمة اقتصادية، تطوير اللقاح… للتهييء لمسار مشتبك اختلطت فيه أجندات الدول الكبرى لتجاوز الأزمة الاقتصادية والصحية في معادلة اهتدت إلى مبدأ فليذهب الآخر للجحيم “أنا ومن بعدي الطوفان“، لتتوالى سلسلة من الأحداث إلى يومنا هذا، جعلت من ميلاد جائحة كورونا تقترن في ذهن صانعي القرار الدولي كحدث موازي لحدثي؛ سقوط جدار برلين والأزمة المالية لسنة 2008، ما أقام تحقيب زمني أضحى شعار الفضائيات والإعلام بامتياز تَلوكه ألسن المحللين والمفكرين والصحفيين في جملة ” عالم ما قبل كورونا وعالم ما بعد كرورنا”.

يقتضينا هذا التحديد لنشأة أزمة كورونا معرفة ما يجري في العالم من أحداث وديناميات يشكل فيها الجديد الذي لم تتحدد معالمه بعد، حلقة موصولة بالقديم والذي يصعب التنكر لآثاره باعتباره الإطار المرجعي لفهم ما نعيشه اليوم من كبوات التي لم تعد خفية عن الأنظار، بل أصبحت محط نقد وتحليل من قبل عدد واسع ممن سبروا أغوار التفكير والتنظير، وهو المسار الذي لم يحد عنه المفكر المغربي حسن أوريد بداية مع كتابيه “أجنحة الغرب المنكسرة ” و “أفول الغرب” وانتهاءً مع مؤلفه الأخير الصادر عن المركز الثقافي العربي والموسوم ب “عالم بلا معالم”، إذ ينكب صاحب “فصول ورؤى” في أكثر من 340 صفحة على قضايا محورية يرصد من خلالها التطور الذي أضحى يعرفه العالم مركزا على السياسة والاقتصاد والاجتماع كسبل يهتدي إليها لاستشراف المستقبل، ويتخذ من مقولة مقتبسة من مقدمة بن خلدون -“وكأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض، وإذا تبدّلت الأحوال جملة فكأنما تبدّل الخلق من أصله، وتحوّل العالم بأسره، وكأنه خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث“- مُنطَلقا يَجد القارئ في مضمونها ظل الكتاب، وكأن بوادر عالم جديد قد لاحت في الأفق.

ما إن نتجاوز توطئة الكتاب “عالم بلا معالم” ونبدأ في الغوص بين ثناياه، حتى ندرك أن منطق الهيمنة والانتصار والمصالح لا حصر لهما في عقل القوى الكبرى، وهو ما تجسده المواجهة بينهما في حلبة الشرق الأوسط والردود الناجمة عنها بما تحمله هذه الردود من توازنات ترادف التسليم والاستكانة والخضوع لمن وجد نفسه مهزوما أو خارج الحلبة، وأساس ضبط التوازنات والتحكم في صناعة القرار الدولي مرده إلى القوة العسكرية والاقتصادية وهي الأركان المكتملة في الولايات المتحدة الأمريكية، “ فضلا عن التربية والتكنولوجيا أو القوة الناعمة التي تجعل الآخر يقبل بها ويرضخ لتأثيرها ويسعى لها“، حيث أخذت الولايات المتحدة الأمريكية تمارس نفوذها على العالم ليس من باب القوة العسكرية فقط، وإنما من خلال التأثير أي ما يسميه صاحب الكتاب الانتقال من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة، لذلك بدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الباردة “ مرجع تنظير العالم، إذ كل النظريات التي قدمت كبراديغمات للعالم برزت داخل كنفها من قبيل القوة الناعمة، والنظام العالمي الجديد، ونهاية التاريخ وصراع الحضارات والمحافظين الجدد”، فعنصر القوة الناعمة وجد ضالته على المستوى الاقتصادي في ” التجارة الحرة مع تنظيم (NAFTA) مع كل من كندا والمكسيك، ومجموعة حوض الباسفيك أو أيباك، وإبرام اتفاقات للتبادل الحّر مع دول العالم “، أما على المستوى السياسي فقد ارتبط بمرجعية حقوق الإنسان ومنظمة الأمم المتحدة والديمقراطية باعتبارهما مداخل للقولبة أو قل الأمركة.

غلاف كتاب “عالم بلا معالم” للكاتب المغربي حسن أوريد

ما إن استيقظت الو.م.أ على أحداث 11 سبتمبر حتى يكون معها عاملي الإقناع أو النموذج الأمريكي خارج دائرة أولوياتها، فالمحدد بالنسبة لها أضحى يرتكز على القوة، ولم تعد حقوق الإنسان هاجسها، إذ سرعان ما جنحت إلى التمهيد للحرب على العراق و“التعامل مع أنظمة قوية وفظة ولم يعد المسؤولون الأمريكيون حين يحلون بدول العالم الإسلامي يتوقون للحديث لفعاليات المجتمع المدني ومثقفيه، بل إلى رجال أمنه وقادته العسكريين“، برعاية المحافظين الجدد لما اعتبرته إيذاء لكرامتها. ففي محاولة تلميع النموذج الأمريكي مع الولايتين الرئاسيتين الأولى والثانية لأوباما “انصب اهتمام هذا الأخير على انقاذ المنظومة الليبيرالية المترتبة عن الأزمة المالية لسنة 2008 من خلال ضخّ أموال لإنقاذ بنوك وشركات السيارات وكبريات الشركات الأمريكية، كان نوعا من التأميم ولو هو مرحلي، وكانت تلك الإجراءات على طرفي نقيض من سردية الخيار النيوليبيرالي“، أما على مستوى العلاقات الدولية “فقد قطع أوباما مع خيارات المحافظين الجدد، وتبنّت إدارته نصّا مؤسّسا يحدد توجهات الولايات المتحدة -استراتيجية الأمن القومي في زمن التحولات الكبرى-2010، يعيد للدبلوماسية المتعدّدة الأطراف دورها وأَلقْها، ولا يعتبر العامل العسكري العامل المحدّد في الهيمنة وينأى عن سياسة التدخل لتغيير الأنظمة أو قولبة المجتمعات وينحو نحو عالم متعدّد الأقطاب لأنه السبيل الذي من شأنه أن يحدّ من الغطرسة حسب تعبيره“.

استتبع نهاية ولايتي أوباما بعدما عجز هذا الأخير عن تغيير الأمور منعطفا ارتضى خيار التّشرنق على الذات بدعوى أن أمريكا تشبه ذلك الرجل الذي سئم من كثرة الإنفاق على أولاد كلهم عاقين له، وأنها لم تعد قادرة على تحمل أزمات وتسخير خدمات هي غير مسؤولة عنها بالبتة. هكذا استهلت ولاية ترامب بنسف ما بناه أوباما، إذ تُعد أمريكا من منظور ترامب ضحية، وهو الأمر الذي لم يتردد في الجهر به في عدة خطب له، فعلى سبيل المثال الخطاب الذي أورده المؤلف والمقتبس من خطاب ألقاه لحظة تسلمه مسؤولية البيت الأبيض سنة 2017 والذي يقول فيه ترامب” لعقود من الزمن عاشت بلادنا على أكبر سرقة لمناصب الشغل عرفها التاريخ. وأنتم جمهرة الشعب في بنسلفيا تعرفون ذلك أكثر من أي شخص آخر. معاملنا تشتّت، ومركبات الصلب أغلقت، ومناصب الشغل سرقت منا إلى عدة بلدان، منها ما لم تسمعوا بها قط. ثم بعث السياسيون فرق جيشنا لحماية أمم أجنبية وتركوا حدود أمريكا مُشرعة يخترقها من هبّ. صرفنا مليارات الدولارات، إثر مليارات، لمشروع تلو المشروع، وتركنا جحافل الرعاع تجتاح بلادنا، وعجزنا عن ضمان الأمن لشعبنا. سارعت حكومتنا للانضمام في اتفاقيات دولية حيث تدفع الولايات المتحدة المساهمات وتتحمّل العبء، في الوقت الذي يستفيد الآخرون ولا يؤدّون شيئا”، ولئن كان شعار “أمريكا أولا” اتخذ كمسار للوجه الجديد لأمريكا، أي ما يصفه صاحب الكتاب “بالترامبية”، فإن الشق الثاني من هذه الظاهرة جسّد في الخطاب الشعبوي وهو “التجني على الآخرين: الصين، الهند، أمريكا اللاتينية، ثم المهاجرين“، إضافة إلى “تماهيه مع قادة غير ديمقراطيين، وأفظاظ كما ديكتاتور الفلبين دوتيرني أو حاكم كوريا الشمالية كيم، ولا يتأذّى من سياسة بوتين، ويعلن صداقته ودعمه لمن يعتبر صورة له، الوزير الأول لبريطانيا بوريس جونسون، ورئيس البرازيل بولسونارو والوزير الأول الهندي مودي”، كما يختزل العالم العربي في السعودية ومصر ضاربا عرض الحائط قواعد القانون الدولي.

إذا حاولنا تتبع ما جرى ويجري إبان ولايتي أوباما وولاية ترامب، فإن أحدا لا يملك أن يجحد حقيقة بروز بداية حرب باردة، ما يؤكده صاحب الكتاب، إذ لم تعد هذه الأخيرة مقترنة بثنائية الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، لأنه وإن كانت روسيا اليوم تروم بزعامة القيصر بوتين إلى استرداد عظمة الاتحاد السوفييتي، فإن “المجال الوحيد الذي تتوفر فيه على تميّز تفضيلي هو صناعة الأسلحة، أي أن صادرتها الكبرى هي السلاح في الوقت الذي لم تعد القوة العسكرية هي محدّد العظمة”، ناهيك عن افتقاد روسيا “لقوة ناعمة لا على المستوى التقني، أو الاقتصادي، أو نظام العيش المشترك، بعبارة المؤلف ليس لها بما يسمّى ب American way of life، وإلى ذلك فإن بوادر الحرب الباردة في نسختها الثانية استبدلت الاتحاد السوفييتي بالصين، حيث “ تعتبر الصين الدولة الأولى في العالم المستفيدة من العولمة، إذ أصبحت معمل العالم لتتحول بعدها إلى مموّل عالمي، وإلى بؤرة تكنولوجية” ما جعل الولايات المتحدة تنظر إليها كخطر يتهدّد مصالحها، عبّر عن ذلك بنبرة حادة أوباما في خطابه سنة 2015 بالقول: “تريد الصين أن تغيّر القواعد الناظمة للمنطقة التي تعرف أكبر نمو سريع في العالم. لماذا سنتركها تفعل؟ ينبغي أن نكون نحن من يكتب القواعد“، وذهبت إدارة ترامب إلى تصميم سياسة جزرية من خلال فرض عقوبات تجارية منذ سنة 2018 كان أبرزها العقوبة التي فرضت على شركة هواوي. ففي هذه الأحداث وعلى مقاس تطور حدتها فمن المرجّح حسب الكاتب أن يكون العالم حلبة صراع بين الولايات المتحدة والصين كصورة مستأنفة لما كان ينعت بالحرب الباردة.

أوريد يضع العالم فوق المشرحة_ 1/2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *