أوريد يضع العالم فوق المشرحة_ 2/2

قراءة في كتاب عالم بلا معالم

لقراءة الجزء السابق من التدوينة: الجزء الأول

هل في هذا الانزياح نحو بروز ثنائية قطبية جديدة في العالم ما يفيد التسليم باختلال ميزان القوى لصالح أمريكا والصين؟ إذا كان الجواب بالتأكيد، فما مصير الاتحاد الأوروبي والقوى المؤثرة داخل حلبة الشرق الأوسط؟

يعتبر المؤلف أن الاتحاد الأوروبي عاش بداية تصدّعه منذ أزمة اليونان 2008 إلى حدود خروج بريطانيا (البريكسيت)، ما أدى إلى ظهور مشاكل اجتماعية عويصة، فأمركة الاتحاد حسبه “انتهت بتآكل ما تراكم في أوروبا من نموذج اجتماعي يقوم على ضمان الشغل ومحورية المرفق العمومي والدور الفاعل للنقابات. لكن أمركة أوروبا، ذهبت إلى تبني مرونة الشغل، أي عدم ضمان استمراريته، والانتقال من المسار إلى العقد والتخفيف من النفقات العامة، وتفكيك الضمان الاجتماعي، هذا فضلا عن سياسة الخصخصة وما ترتّب عنها من تسريح للعمال”

فهل في معنى ذلك، أن الاتحاد الأوروبي لم يعد قوة مؤثرة داخل النظام العالمي؟ بلغة الكاتب والمستوحاة من هوبير فيدرين فإن الاتحاد يعيش وضعية شلل استراتيجي، يُشبّهُهُ بحالة جبل عظيم سفحه من صلصال. أما الشرق الأوسط المعقّد بلغته، تبرز فيه ثلاثة قوى فاعلين يسعون إلى توسيع دائرة نفوذهم؛ إيران وأحلام التوسع منذ سنة 2006 حينما صدّت كتائب حزب الله القوات الإسرائيلية وانتشار مذهب التشيع كإيديولوجية داخل العالم العربي، تركيا وطموح امبراطورية عثمانية جديدة، ثم إسرائيل التي أضحت في وضعية مريحة تطمئن وجودها باعتبارها الديمقراطية الوحيدة داخل الشرق الأوسط، زد على ذلك تراجع محورية القضية الفلسطينية على مستوى الحكومات، خاصة بعد الإعلان عن صفقة القرن. ولئن كانت هذه القوى تتغذى على مبدأ التوسع والتدخل فيما يجري من أحداث والتفاعل مع المستجدات الدولية والتأثير من باب الأفكار والقيم والسّلع، فإنه سرعان ما تجد نفسها بشكل أو آخر متماهية مع إحدى القوى العظمى الصين أو الولايات والمتحدة، مما يجعلها لم تبلغ بعد مرحلة التأثير وإتقان لغة الإملاء وهي لغة يتكلم فيها الأقوى والقوي هو الذي يملي ويصغى له ويمتثل لأوامره وهو ما تشكله كل من الولايات المتحدة والصين. أما العالم العربي فيعتبره موضوع تفكير القوى الكبرى لا يملك من زمام الأمور سوى استقبال ما يملى عليه وتنزيله عن رحب صدر في وضعية ميؤوس منها وكأن لعنة سيزيف لا زالت تلاحقه.

قد يبدو من الناحية السياسية أن الولايات المتحدة أو الغرب بصفة عامة يتفوق على باقي القوى العالمية بما فيهم الصين من جانب اعتبار أن جغرافيتهم تعد البيئة الحاضنة للديمقراطية، إذ تعد -الديمقراطية-أحد محددات هويته -الغرب- ومعبّرة عن قيمه يسعى من خلالها استدراج دول العالم للانغمار في ترسيخ سردية الغرب الأنموذج، فهي أشدّ جاذبية للانتباه لما تنطوي عليه من أفكار تؤدي إلى عقلنة السلطة والقطع مع الحكم المطلق، بيد أن هذه الدعوة بقدر ما حققته من نجاح في البدايات منذ الستينيات من القرن الماضي، فإنها أصبحت واهية، لتغتال وتزدري في عقر الجغرافية التي نمت فيها، بعبارة المؤلف أصبح الغرب يعيش كسادا ديمقراطيا على مستويين؛ الأول، من “خلال إخفاقه في نشرها، أي أن ما اعتبره محدّدا لهويته ونزوعه (vocation) ورسالته، وهو نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان في العالم توارى لفائدة اعتبارات أمنية، بفعل مخاطر الإرهاب”. الثاني، “القطيعة فيما بين النخب والشعب، وعزوف الناخبين عن الاقتراع، وسيادة الخوف والتوجس”، ففي معرض هذه الحوادث وحبكة الصلات بينها ستعرف الديمقراطية حالتين من الزيغ حسب الكاتب جسدت الأولى بالنسبة إليه “حينما ارتهنت للرأسمال أو الليبيرالية الاقتصادية فأصبحت تكنوقراطية، أي حكم التكنوقراط، والحالة الثانية تلك التي أفضت إلى ديمقراطية غير ليبيرالية، تستند في شرعيتها على الشعب وتحيل إليه ولكنها ترفض التعددية ودينامية المجتمعات ومسار التاريخ، هي ما ينعت بالشعبوية”.

الكاتب والروائي المغربي “حسن أوريد”

على أنه في النزعة الشعبوية هذه أضرار لحقت جل المجتمعات، حينما انزاحت إلى احتكار الديمقراطية في قول معيب ” نحن الشعب، وليس أننا من الشعب”، وكأن المضمر في هذا الخطاب يروم إلى قولبة الديمقراطية بالسلطوية بما يفيد استيعاب الأولى للثانية وتجاوزها في آن واحد، فكان يسيرا على هذا الشعب أن يلجأ إلى الشارع كحلبة للصراع وفاعل جديد “لفضح سلطة المال، وعجرفة التكنوقراط، وبطش الأمن” على حدّ قول المؤلف “فقوّة الشارع في عفويته ممّا تتيحه وسائل التواصل الحديثة. سرّه في استماتته، وسلاحه في سلميته”، تحرّك في إيسلندا سنة 2008 وأجبر الحكومة على تقديم استقالتها، ثم ما إن لبث أن أعاد الكرة في الولايات المتحدة مع “احتلووا وول ستريت” وفي إسبانيا مع حركة “غاضبون” وفي العالم العربي مع الانتفاضة التونسية “الربيع العربي”، حتى تكون معه أركان شعار “الشارع هو الصرخة حين يخبو الأمل” قد اكتملت.

صادف تحرّك الشارع والتي ابتدأت إرهاصاته من كنف الإنترنت تحوّلا على مستوى وسائل التكنولوجيا الرقمية، إذ تحولت بين عشية وضحاها إلى سلاح للأخبار الزائفة وأداة من الأدوات السياسية لقولبة الرأي العام، و وسيلة للمراقبة، “ففي ظل تغوّل أجهزة الرصد والمراقبة، قامت علاقات وطيدة ما بين أجهزة المراقبة هذه والنخب التقنية، ليس في المجال الأمني وحده، حيث لا تستند قوة التكنوقراط على معرفتهم وشبكتهم مع نظرائهم العالميين فقط، ولكن كذلك من خلال التغطية الأمنية التي يتمتّعون بها. تقوم علاقة وثيقة بين التكنوقراط والأجهزة الأمنية، ويشكّلان كلاهما أوليغارشية متنفذة، ضدّ الإرادة الشعبية، يتصيّدان العناصر الحرّة بالتضييق والتشويه، ويحدّان من ثمة من دور المثقف، خاصة المجتمعات التي تعرف مخاضا ومراحل انتقالية”، تلك هي نبوءة الأخ الأكبر الذي تنبأ بها جورج أورويل في روايته “1984”.

إذا تجاوزنا الفوارق الشكلية بين ما يعيشه العالم من أحداث وتحولات وأزمات، أمكن القول من داخل هذا الكتاب أن جزءاً من مسببات هذه الأحداث والأزمات يرتبط بالاقتصاد، إذ أضحى هذا الأخير مع الليبيرالية “ممارسة رأسمالية جشعة غير إنسانية تضرب بعرض الحائط العدالة الاجتماعية وتروم الربح واستغلال الضعفاء”، وتكمن الخطورة مع النيوليبيرالية حسب ستيغليتز كما ورد في الكتاب، في أنها “تتهدّد المنظومة الديمقراطية، إذ أن الفوارق الاقتصادية تتحول إلى فوارق سياسية، وتتحول هذه الأخيرة إلى قوانين ترسّخ الأولى”، والحال أنه لا تنمية بدون اقتصاد، ففي خضم ما أفرزته المنظومة الاقتصادية العالمية من تفاوتات، تغيّر اتجاه الهجرة من بلدان الجنوب نحو بلدان الشمال مما زاد من الطين بلة، تولّدت معها مشاكل عدة من قبيل صعوبة الاندماج وتفشي ظواهر مثل ما بات يعرف ب”الإسلاموفوبيا”…، ولئن كان الاقتصاد يقوم في جزء منه على الرأسمال البشري، فإن النمو الديمغرافي في دول الغرب يعرف تقهقرا خاصة في دول أوروبا، ما يعزز أن هذه الأخيرة “في حاجتها إلى اليد العاملة وإلى العقول وإلى التخصيب”، على عكس دول الجنوب خصوصا إفريقيا التي تعرف طفرة ديمغرافية غير مسبوقة، فأمام هذا الوضع يستحيل لأوروبا السير قدما أمام ما تسنه من سياسات تضاد المهاجرين، إذ في مجتمع شائخ حسب الكاتب يستحيل لأوروبا أن تحل مشاكلها بسوء تشخيصها اتجاه افريقيا باعتبارها المستودع الديمغرافي للبشرية، هكذا تنبأ حسن أوريد في خاتمة كتابه الرائع “عالم بلا معالم”. فلنترك للمخبوء أن يكشف لنا مستقبل هذا العالم الجديد الذي لم تتحدد معالمه بعد.

أوريد يضع العالم فوق المشرحة_ 2/2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *