الرجل الذي لا زال يحب زوجته

عن آليات عمل الذاكرة..

نشرَت جريدة “التلغراف” البريطانية، بتاريخ 12 يناير 2005، مقالًا بعنوان الرجل الذي لا زال يحب زوجته“، يتحدث مضمونُه عن الموسيقي كلايف ويرنغ.

كان كلايف ويرنغ يعزف على البيانو، وحده، في غرفته، عندما دخلت زوجته عليه، قفز على الفور واحتضنها بحماس بهيج. بعد دقيقة، ذهبتْ إلى المطبخ لتأتي بكوب من الماء، وعندما عادت، احتضنها الرجل بحماس بهيج مرة أخرى، كما لو كانت قد اختفت لعدة أيام، ثم فعل ذلك مرة أخرى،  ثم فعل ذلك مرة أخرى.

كان كلايف رجلا موسيقيًا بارعا في لندن، لكنه أصيب بفيروس نادر (Herpes viral Encephalitis) أدى إلى تدمير نظامه العصبي المركزي. منذ ذلك الحين، لم يتمكنْ مِن تذكُّر أي ماضٍ تقريبًا، أو صنع أي ذكريات جديدة. زوجته هي الشخص الوحيد الذي يتعرف عليه، لكنه لا يستطيع أبدًا أن يتذكر آخرَ مرة قام باحتضانها. قد تكون هذه هي الحالة الأكثر عمقًا لفقدان الذاكرة الشديد والمزمن الذي تم تسجيله في تاريخنا الإنساني.

من خلال هذه القصة، نرى أن ذاكرتنا ليست فقط عبارة عن تخزين للأحداث والمشاعر والمعلومات بل هي عامل أساسي في تشكيل هويتنا وبناء علاقاتنا مع الأخرين، ذاكرتنا هي تلك البنية التي تربط ماضينا بحاضرنا ومستقبلنا. بدون ذاكرة لن نكون قادرين على تذكر ما فعلناه بالأمس أو ما فعلناه اليوم أو ما نعتزم القيام به غدًا. بدون ذاكرة، لن نتمكن من تعلم أي شيء.

لعل أحد الأعمال الفنية التي نجحت في إيصال هذا المفهوم هو فيلم Memento من كتابة وإخراج كريستوفر نولان، الذي يحكي عن محقّقِ جرائم أصيب بضربة على رأسه (حيث تضررت منطقة في الدماغ تسمى “الحصين”) التي أفقدته القدرة على تذكر الأحداث الحديثة أي أنه لا يستطيع تكوين أية ذكريات جديدة، حيث نرى أن بطل الفيلم أصيب بالتيه والضياع وسط المجتمع، إذ أنه ينسى اسم صديقه الذي سمعه قبل خمس دقائق فقط، حاول أن تضع نفسك مكان هاته الشخصية، أن تنسى  اسم صديقك الذي ذكّرك به والدُك قبل خمس دقائق فقط، أن تنسى أحداث طفولتك، أن تنسى جرعة الدواء التي أخذتها قبل دقائق، وبالتالي تأخذ جرعة أخرى قد تشكل خطورة على صحتك، أو قد ما قرأته في الأسطر السابقة!

صورة تظهر مُلصق الفيلم

لطالما نتحدث عن الذاكرة كأنها علبة واحدة نجمع فيها ذكرياتنا، لكن الذاكرة ليست مكونا واحدا، بل الذاكرة أنواع، ولكل نوع وظيفته الخاصة، كالذاكرة الصريحة التي تتضمن بدورها نوعيْن، النوع الأول، الذاكرة الدلالية وهي تعرف بذاكرة المفاهيم والمعارف الخاصة بالعالم (مثلا : مالمو هي عاصمة السويد)، النوع الثاني، الذاكرة العرضية وهي المسؤولة عن تخزين التجارب التي تم خوضها في حياتنا (ليلة الزفاف)، ثم الذاكرة العرضية وهي المسؤولة عن معرفة كيفية القيام بالأشياء، كما أنها لا تنطوي على تفكير واعٍ (ممارسة السباحة، مثلا).

من بين الأوائل الذين قدّموا لنا منهجية دراسة الذاكرة هو ابنجهاوس، حيث كان يعطي للعيّناتِ المدروسة كلماتٍ لا معنى لها لكنها قابلة للتلفظ، عليهُم حفظها بشكل تام إلى حين عدم الخطأ في أي كلمة ومن ثم استرجاعها، فكان يتوصل إلى أن النسيان يكون سريعا جدا خلال الساعات الأولى مقارنة بالتي تليها. بعد ذلك، لوحظ من خلال العمليات الجراحية التي تم فيها انتزاع الحصين (جزء من الدماغ) أن هؤلاء المرضى لم يعودوا قادرين على إنشاء ذكريات جديدة، ومن هنا توَصَّلنا إلى العلاقة الوطيدة التي تجمع  بين الدماغ والذاكرة عمومًا، وبين الحصين والقشرة الجبهية مع الذاكرة خصوصًا، دفعنا هذا إلى اعتماد مقاربة نوروسيكولوجية neuropsychologique في دراسة الذاكرة إلى غاية اليوم.

في عصرنا الحالي، نشهد تقدُّمًا علمِيًا وتكنولوجيا غيرَ مسبوقٍ في ميادين شتى، وقد ساعدنا هذا التقدم في استخدام تقنيات التصوير ودراسة وظائف الدماغ كالذاكرة (التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي، التصوير العصبي…) حيث اكتشفنا مناطق  دماغية جديدة لها علاقة بعمل أنظمة الذاكرة واكتشفنا -أيضًا- الترابط والتشابك بين اشتغال هاته المناطق، ولا شك أننا سنستمر مستقبلًا في هذا الاتجاه. إذ أن علوم مثل Neuropsychology و Neuroscience تقدم وسُتقدم لنا المزيد حول الذاكرة؛ بالنظر إلى أنها علوم دقيقة وبالتالي فإن نتائجها أيضًا دقيقة.

الرجل الذي لا زال يحب زوجته

‫3 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.