فاجعة أخرى وماذا بعد

عن فاجعة معمل الخياطة التي هزت مدينة طنجة

فاجعة أخرى، وماذا بعد؟ سنعلن الحداد وسنكتب بلاغا نتأسف فيه على الضحايا ونقرأ الفاتحة ثم نفتح تحقيقا في الموضوع سيكون كسائر التحقيقات التي فتحت ولا نعلم مصيرها لحدود الساعة.

سيكتب مواطنو الفايسبوك التدوينات وسيقدمون التعازي والممزوجة بالحزن وعبارات الغضب وسنضع الأسود والأبيض على البروفايل ثلاث أيام حدادا على أرواح فاجعة طنجة ثم ماذا بعد؟

ستنسى الفاجعة وكأنها لم تكن…

لقد كتبت كلمات أشبه بهاته قبل سنتين في مقالة تحت عنوان “يحكى أنه لنا وطن يسمى فاجعة”، وربما هي صالحة لكل وقت وحين، أمس واليوم وبعد غد، امتدادَ فواجعِ الوطن الذي يئِنُ في صمت ويتساقط ويتساقط…

لقد كتبت “حِدادٌ يتلوه حداد، بالأمس حِداد واليوم والآن وغدا حداد حتى يحترق ربيع الوطن، حتى نغادر جميعا هذا الوطن، حتى يُحْكَى بعدنا أنه كان لهم هناك أمل لكن جَلَّادا حاصر الأمل وحوله إلى ألم”.

“آسف، لنا عودة في تعزية أخرى وفاجعة أخرى ما دامت دار لقمان على حالها وما دام عنترة هنا، وما دام الراقصون على جراحنا ينعمون بالراحة فلنا المآسي والجراح والويلات ما داموا فوق رؤوسنا”.

مضت سنتان حينما قلت وطن الفواجع وكان أملي أن أكون كاذبا تلك المرة، لكن الحقيقة تأبى إلا أن يكون ما كتب صادقا، فبين كل فاجعة وأخرى فاجعة حتى اعتدنا عليها وصارت جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية.

لم تعد تفزعنا وتحرك فينا شيئا من الحزن، كنا وصرنا نودع شهيدا وننتظر آخر، لا شيء يتغير سوى أن التاريخ يعيد نفسه كل مرة على شكل مهزلة ومأساة وأشياء أخرى لم يدونها ماركس ويبدو أنه أغفل ماذا سيأتي بعد المأساة والمهزلة.

فاجعة طنجة ليست بالشيء السهل ولا يمكن اعتبارها مجرد حادثة بسيطة لعمال يعملون خارج الوجود الإنساني، خارج الزمان والمكان مقابل دراهم معدودة يحاربون بها الزمن في ظل غياب مقاربات حقيقية تنقدهم من شبح البطالة والموت على قيد الحياة، كما أنها ليست القضية الأولى أو الحادثة العاشرة، بل مجرد امتداد وفقرة من رواية عنوانها الصراع الطبقي الممتد عبر الزمن ودعونا نستحضر ماركس مرة أخرى.

إن تاريخ أي مجتمع حتى الآن ليس سوى تاريخ صراعات طبقية، حر وعبد، نبيل وعامي، بارون وقن، معلم وصانع، وبكلمة ظالمون ومظلومون، في تعارض دائم، خاضوا حربا متواصلة، تارة معلنة وطوراً مستترة، حربا كانت تنتهي في كل مرة إما بتحول ثوري للمجتمع كله، أو بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين.

عن قناة العمق المغربي على اليوتيوب.. مشاهد من داخل مرآب الفيلا حيث حدثت فاجعة طنجة

هكذا هي الحكاية إذن، ليست حادثة معمل سري غمرته المياه وليست القضية قضية عمل خارج إطار القانون فهذا حديث آخر، ولكن المشكلة الآن هي صراع بين مالك جشع ومواطن بسيط فرضت عليه الظروف أن يعمل بأي شكل من الأشكال لكي يحارب الجوع ويحارب الموت والنسيان.

لنعد لماركس مرة أخرى؛ إن الدافع من الإنتاج الرأسمالي هو استخراج أكبر كمية ممكنة من فائض القيمة وبالتالي لاستغلال العمالة إلى أقصى حد ممكن، والاستغلال غير المحدود لليد العاملة الرخيصة هو الأساس الوحيد لقوة الرأسمالي على المنافسة.

قد نفهم الآن ما يجري فالقضية في آخر المطاف صراع طبقي ومأساة ضحيتها أبناء الوطن، وما وقع بطنجة خير دليل، وما يقع في آبار الفحم دليل آخر هذا دون النظر الى معامل الكابلاج والشركات التي تستعبد الإنسان وتحمل السياط وتجرده من إنسانيته ليصبح آلة تكتفي بالصنع والسمع والطاعة.

فإذا أردنا عاملا ووطنا وإنسانا فلنقطع مع الرأسمالية، تلك الجرافة التي تأكل الأخضر واليابس، ولندعو لكرامة العامل والفلاح وكل مواطن، وإلا فإن دار لقمان ستبقى على حالها وستتكرر المآسي وستبقى المحن ممتدة امتداد عجلة التاريخ.

فاجعة أخرى وماذا بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *