طقطقة أناملي

انتصار النظرة لم تُرغم جفوني على الانغلاق، تتريّب على ظهر الوحشية لم تنفر سماجة مخلابها وفتكت بي فوق شوارع لندن الباردة في شتاء بالقرن الـ15 .. كانت نيّتي السلوان لروحي وتقديس معتقداتي لكنني صدمت بعربة الفقدان ونزعتني ذاكرتي … ولهذه اللحظة أحوالٌ تذكر من أنا و ما لون سترتي عندما تناثرت أرْوِقة عِطرها قرب حواسي… لا أتذكر كيف ومتى لكن عطرها يربط لي عنق ذاكرتي بالماضي، لا بل بالمستقبل أيضا حين أتكئ على حجرها ونسمة نظرتها تداعب خدّي على أمل تكديس كل ذلك العناء.

تراتيل الاستدعاء وترانيم الكنيسة ترفع ستائر جفوني وترسل شعلة روحي للرّب. شقُّ وريدي ينزفر في أزقة الدندنات المتكررة وينكسر عند صعود صوت الخلاص.. اللاشيء هو أنا، وما بعدي هو التشيُّؤ؛ وبين هذا وذاك صراط من الألم والنزيف، بجانبي حفيف الأفاعي وخلفي زئير الغضنفر يركن هيبتي في مقامات العُلا… وأنا أستقبل في تأمل البابا الصارخ…
الجمال دائما في خطر، وخطر الحُسْن هو بعد النظر وزيادة السقم على خلايا البشرة الناعمة…
وعلى صفيح أثينا برائحة طاولة أوكروبوليس المنتشي، ووسط ضوضاء السوفسطائيين أردّدُ بصوت عال: “الرونق باهتٌ أمام فَقْري” .. فَقْرِي الشعوري.

سُمْك الرغوة أثقل كاهل روحي، أفتقد تسلُّل الابتسامة نحو مُحَيَّايَ واتساع بؤرتي عند رؤيتك، كل شيء اندثر في لمحة بصر مؤذية، وعلى خطى التناثر روّضتُ نفسي على نثر أبيات الشعر لقلبك… وكالعادة ألتمس بعضاً من نبيذ الرحمة، يرتعش مع سكينتي ويتملّصُ عن حقيقة أنني أحبُّها.. أرصّع شعوري ببعضٍ مِنْ جواهرك المدفونة في ذاكرتك لكنها لا تساوي ثروة أمام حضورك معي، في نفس الغرفة، على نفس الفراش، وفوق الجانب الأيسر من صدري ترْمِينَ بعضًا من نظراتكِ وتخطفينَ ضوء عيني لقَرْنيَتِك العسلية…

نهب الأمل افترس كامل جهدي وعجز عن تخفيف شوقي لبلوغ الحلم. على منحدر الكمال تكمن حفرة الحقيقة وكل منطلق عبر هذا المنحدر انتهى به المطاف في هاوية الفَجْوة، يبحث عن نفسه بَدَل الكمال. انجذاب وتكامل بين العقل والتفكير يفتح بوابة أمام عين ثالثة تنغمس وسط حياتك وتُسَخِّرُ قوى القدر في تكوين حصن ينجيك من ملذات الحياة. لا خوف بعد الموت. ولا موت بعد الخوف، نشوة النجاح ترمي بعض الشحن زائدة نحو عقلك وترغمه على إرسال بعض التعاليق خلف باب الجسد.

خلْفَ بابِ حديقة جَدّي، أتنهّد أسفل ورقات أشجار الخريف ولا شيء ينبثق نحوي سوى فحيح الأغصان الفارغة تحدثني بضراوة. ترغم لساني على تجويف أوعية من النبرات تبعد صخب الغُراب وتكرم المكان بعذوبة عذراء وتدفئ جوَّ الخريف من برد الاكتئاب.
وأتذكر لوهلة أن قشرة الأرض تمنع صوتي من الهروب.
ونسيت أنني جثة هامدة منذ ثلاثِ سنوات مدفونة في فناء الحديقة. و تذكرت بعدها أنني أنا هو جَدّي…

بابا لبير

طقطقة أناملي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *