ما بين فريدا كاهلو والشعيبية طلال

للفنّ العِصامي عنوان

الفن الفِطري فنٌّ قائم بذاته، له الحضور القوي في شخص كبار الفنانين التشكيليين عبر التاريخ، فهناك من الفنانين من لم يتشرّبوا أساسيات الفن وأبجدياته في المعاهد، فكانت تقلبات سفينة حياتهم كفيلة بإيقاظ الفنان النائم بدواخلهم لإيصال ما يخالجهم متمرّدين على كل قواعد الفن، ومُشكّلين قواعد جديدة نابعة من الفطرة وتجارب الحياة، وقد كان تاريخيا للعنصر النسوي الحضور المميَّز في هذا، على غرار الفنانة المكسيكية فريدا كاهلو والفنانة المغربية الشعيبية طلال؛ صحيحٌ أنّ هناك اختلافاً بين مدرستَيْهما الفنية وثقافتيْهما، لكنهما تشتركان في العِصامية وانبثاق فنّهما من المعاناة وتجارب الحياة وتشكيلهِما لنمطٍ فنّي جديدٍ خاصّ بهما.

حمزة شبكي

حياةٌ سيريالية

هناك بيْن حُقول الذرة بالمكسيك، أبصرت الطفلة فريدا النور سنة 1907، وكانت على موعد مع المعاناة منذ طفولتها المبكرة، فقد أصيبت بشلل الأطفال في سن السادسة، وكانت بعد سنوات على موعد قاس مع حادث حافلة، ما اضطرها إلى التمدد على سرير متنقّل بمرٱة متبثة أعلاه من تجهيز أمها، لمدة سنة كاملة.

ولأن الإبداع يولد من رحم المعاناة، فلمحاربة العدو الجديد الملل خلال فترة استلقائها على السرير، طلبت فريدا أدواتِ الرسم وظلّت ترسم صورتها المنعكسة على المرٱة بشكل يومي مكتشفة شغفها بالرسم كمتنفس وحيد وصديقها الصدوق، فكانت تنقل ألمها ومعانَتَيْها الجسدية والنفسية عبر اللوحات، فكان ذلك الموضوع الوحيد للوحاتها؛ فمثلًا في لوحتها الشهيرة “مستشفى هنري فورد” لخصت معاناتها من إجهاضها الثاني حيث رسمت نفسها ممدة على سرير في المستشفى وعددًا من الأشياء تحيط بها مثل جنين وحلزون ووردة وحوض، أو لوحة “The Two Fridas” التي تعبّر عن صورتيْن شخصيّتين مختلفتين لها تَقِفَان بجانب بعضهما البعض وكلاهُما يظهر قلبه فوق ملابسه، فكانت فريدا الأولى في اللوحة تمتلك قلبا سليما بينما تمتلك فريدا الثانية قلبا غير سليم، في مشاهد فنية سيريالية بإمتياز رغم أن فريدا لا تعتبر نفسها فنانة سيريالية حين قالت:

لقد ظنوا أنني سيريالية، لكنني لم أكن كذلك. لم أرسم أبدًا الأحلام والكوابيس، وإنما رسمت حياتي كما عشتها“.

فريدا كاهلو
لوحة فريدا كاهلو The Two Faridas (عن موسوعة ويكيبيديا الرقمية)

وبلغت اللوحات الذاتية لفريدا نحو 55 لوحة من أصل 143. لكن فريدا لم تشتهر ولم تنل التقدير التام إلا بعد وفاتها بمدة ليست بالقصيرة؛ فقد كانت في حياتها معروفة فقط بكونها زوجة الرسام “دييغو ريفيرا” وما زالت لوحاتُها -إلى اليوم- تُعرض للبيع بأثمنة خيالية.

الفنان ابنُ بيئته

هنا بالمغرب، تحديداً بقرية اشتوكة ضواحي مدينة أزمور، عام 1929ـ كانت ولادة فتاةٍ اُخْتِيَر لها من الأسماء “الشعيبية“. وكانت كأغلب فتياتِ جيلها محرومةً من أبسط الحقوق من تعليم وعيش كريم بحيث كانت تعيش رفقة إخوتها ووالدتها بخيمة بسيطة، لكن -وكما يقال الجمال في البساطة- كانت الشعيبية منذ صغرها مولوعة بالطبيعة فكانت تجري في الحقول؛ وتحبّ جمع الأزهار والورود، لكنها كانت على موعد مع حدَثٍ سيغيّر حياتها وعانت منه عدة فتيات من جيلها، وهو الزواج المبكر أو بالأحرى التزويج القسري من شيخ مسن، وترحيلها من مسقط رأسها نحو الدار البيضاء ، لكن الزواج لم يدم طويلا، فقد مات زوجها فقط بعد سنتيْن بعد إنجابهما لطفلٍ قررت الشعيبية طلال تكريس كلّ وقتها لتربيته.

اكتشفَتْ الشعيبية طلال شغَفها بالرسم من خلال حُلمٍ رأت فيه غرباء يقدمون لها أدوات الرسم، فقررت مباشَرَةً شراء أدوات الرسم من لوحات وفرشاة وصباغات وإطلاق العنان لإبداعها الذي كان فطريا فكانت تعمل في النهار خادمة في البيوت وتكرّس ليَاليها رسّامة في البيت.

استلهمت الشعيبية أفكارها من علاقتها المتينة منذ نشأتها ببيئتها وبالطبيعة من وديان وبحر وأزهار، وبما تستمده من طفولتها من ذكريات، وكانت لا تخفي اعتزازها بنساء مجتمعها، ولعل أشهر لوحة لها “قريتي اشتوكة” التي بيعَتْ سنة 2010 بأكثر من 150 ألف دولار خير مثال، ففي اللوحة التي اختارت اسم مسقط رأسها كعنوان لها، نجد أربع نساء يرتدين ملابس تقليدية بألوان “شعيبية” بهية، وغيرها من لوحات من واقع اعتزت به الفنانة أيَّمَا اعتزاز.

ورغم أن أعمال الشعيبية قوبلت بالرفض والاستغراب من طرف تشكيليين مغاربة لكون الأسلوب الفني الذي قدمته جديد كليا وفطري بامتياز، فإنها عانقت العالمية وحظيت بتقدير وإعجاب كبيريْن من النقاد والتشكيليين الأجانب.

كما أن لوحاتها قد عُرِضت في معارِضَ فنية كبرى؛ إذ تعتبر اليوم من أغلى اللوحات في العالم، في مدن عالمية وبمتاحف شهيرة وكبريات قاعات العرض عبر المعمور، وأُدْرِجَ اسمها في القاموس الفني المرجعي، وأصبحت اليوم تعد رائدة للفن المعاصر في المغرب دون أي تكوين أكاديمي، فقط “موهبة من عند الله” كما ظلّت الشعيبية تُردّد دائما؛ ولأن البيئة المبدعة تشجّع على الإبداع فإن ابنها الوحيد “الحسين” عَشِقَ الفن التشكيلي ومارسه بحب مثل والدته.

توفيت فريدا سنة 1954، وبعدها بخمسين سنة توفيت الشعيبية طلال عام 2004 ، بعدما عاشتا معا في زمن واحد سنوات الثلاثينات والأربعينات ومنتصف الخمسينات من القرن الماضي .

الفن التشكيلي بعيون سينمائية..

كان فيلم “فريدا” الصادر سنة 2002 لمخرجته “جوليا تيمور” فيلم سيرة ذاتية بامتياز، فقد رافق الرسّامة فريدا التي أدت دورها سلمى حايك، في كل مراحل حياتها ومحطاتها، ويرصد مظاهر قوة فريدا في تحدي معاناتها التي لا تنتهي عن طريق الرسم، بدءا بٱلامها الجسدية وخيانات زوجها المتكررة. وفي الخانة نفسِها -أي السيرة الذاتية يندرج فيلم “الشعيبية” الصادر عام 2015 من إخراج يوسف بريطل، وأدت السعدية ازكون باقتدار كبير دور فنانةٍ عِصامِيّة انطلقت من الصفر نحو العالمية.

ما بين فريدا كاهلو والشعيبية طلال

اقرأ أيضاً على زوايــا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *