لحظة تساؤل

تساؤلاتٌ عن مفهوم الجودة الفكرية

الجملة تُفهم داخل سياق الفكرة؛ لذا نقول إنّ العمل الفني الذي من مكوناته شخصية الفنان، يُفهم من خلال السياق الاجتماعي والسياسي الذي يوجد فيه أو بعبارة أخرى فالعمل الفني هو تموقعٌ في الزمان والمكان.
نعلم أن العالم برُمّته يعيش تغيرات متسارعة، لأنه يوصَمُ بزمن السرعة، وهل يمكن أن نتحدّث عن مفهوم الجودة الفكرية مقارنةً بما يُطلق على المنتوجات الغذائية : “منتوج ذو جودة“.

من خلال اقترابنا من عمل فني غنائي، بالإضافة إلى شخصية المُغنّية انطلاقا من حواراتها مع الصحافة أو أعمالها الغنائية، تبيَّنَتْ لنا بعض الملاحظات تنضوي تحت لواء “تعليق مفترَض” غير جازم يحاول أن يفهم، لا أنْ يَنتَقِد، لأن الانتقاد له أسس ومنهجية لا نملكها حاليا، كما يقال “رحم الله رجلا عرف قدره، وأنْزَلَ الناس منازلهم”…فكل إنسان له أهميته.

هذه الملاحظات يمكن أن أصيغها على شكل أسئلة تحتوي موضوعاتٍ قابلة للبحث المعرفي، إذاً، لنَبدأ: ما هو تأثير الوسط الأسري والمحيط القريب على شخصية الإنسان؟ لماذا؟

لأن المغنية تحكي أن الأسرة كانت تمارس الفن وعزف الآلات في المنزل؛ ثم ما دور المؤسسة التعليمية الخاصة أو العمومية في صقل وانفتاح الشخصية ؟ حيث أكدت الفتاة أنها استافدت من الرحلات والأنشطة المدرسية في بزوغ وتفتق مَلَكة الفن؛ وهذا يحيلنا إلى إشكالية هل الإبداع مكتسب أم فطري؟ ممكن أن نستلهم تجربة ليونيل ميسي وكرستيانو رونالدو وغيرهم. أيضا، تم طرحُ إشكالية موضوع الصداقة بين الذكر والأنثى؟ إذ جل الحوارات الصحفية سألت المغنية عن علاقاتها بأحد المُغنيّين، فأجابت هي “مُجرّدعلاقة صداقة متينة. هذا سؤال غير بريء من طرف الصحافة من باب “الفُضول الصحفي“؛ ولكن ألا يمكن أن نتحدث عن منهجية منظمة في الحياة، هناك عوالم خاصة وعوالم مشتركة. على طارح السؤال أن يتعلم فن طرح السؤال، في إحدى الأفلام هربت فتاة جميلة احتاجت لمال فسرقته مكرَهَةً لأنها مسألة حياة أو موت، بعدما كانت تبحث عنها الشرطة، فاغتنمت لحظة الهروب ودخلت بيت إمام مسجد عازب تقي وخاشع. احتفظ بها بعض اللحظات في بيته ثم برهة جاء زميل الشيخ، فأحست الفتاة بذنب لأنها ستوقع الشيخ في إحراج مع صديقه ومحيطه. فسألت الشيخ هل صديقك استغرب من وجودي. أجاب الشيخ: زميلي لا يسأل أسئلة لا داعي لها. هذا هو الوعي بالمساحة الشخصية.

إن الحياة تقوم على التوازن والانسجام؛ لذا عندما تتداخل الحياة المهنية في الحياة الأسرية أو في الحياة المشتركة عن قصد أو دون وعي فهناك انزلاق يحتاج التأمل. وما هذه الكتابة إلا تأمل وليست وصفة دواء.

مصطفى بوهالـي

في هذا الصدد، خير مثال هو الدلالة الرمزية للسّلهام الذي يلبسه الإمام أو الزّي الأسود بالنسبة لموظفي وزارة العدل. نضيف أيضا أنه في إحدى الحوارات، تم التطرق في لمحة بصر لقضية ضبط الوقت في اللقاءات: “هانا جاي هاني معاك راه قريب“.

من خلال ما سبق، نتحول إلى مفهوم الحب وقبل أن أعلّق عليه، أريد أن أشير إلى مشكل عويص وخطير وهو ما يُروَّج له في جزء من الإعلام، الحس المشترك أو مواقع التواصل الاجتماعي أن بعض المفاهيم تُنشر وتروج لها صورة عكس تعريفها وماهيتها الأصلية. بالله عليكم كيف يتم تعريف مفهوم النجاح بصورة مع سيارة فخمة.
إن الوصول إلى التقاط صورة مع مُنْجَزٍ ما، إن ذلك المنجز لم يصل إليه الإنسان بدون جد واجتهاد وعمل مفعم بتقلبات مزاجية ونفسية، من الأحسن أن نشير وننشر المفهوم في كمالياته لا في انتقائياته.

بالنسبة لمفهوم الحب، تقريبًا جل الأغاني تتناول هذا المفهوم باعتبارها تِيمَةً (thématique) مؤطِّرَةً لها، لكل شخص نظرته الخاصة تجاه الحب؛ فأحدهم قال أن أمه تعرف أن أحدهم يحبها عندما يذبح لها “فرّوج بلدي” فهو علامة على الحب انطلاقا من ذوق الأكل…وما إلى ذلك. في الختام نختم بقولة “حبيبي وْلَّى ديالي، حبيبي ولى ذيالي“. هنا ممكن أن نعرج حول هل الحبيب ملك للمحبوب؟ ثم هل الحب قبل الحلال، أم الحلال بعده الحب ؟ أو أن الحب بعد الزواج ؟

في الختام، يلاحَظ جلّ الحوارات الصحفية كانت بلغة تستمد ألفاظها من اللغة الفرنسية، اللغة الإنجليزية واللغة اليومية , يلاحظ شح في اللغة العربية الفصحى .هل نتحول في اتجاه الكلام بدون لغة محددة؟ أم يتم تشكيل لغة فرعية تقوم على جل اللغات. بصريح العبارة نعم للانفتاح على كل اللغات الكونية إلا أنه للغة الأم رونق خاص.
هذه اللغة التي أسمعها يمكن أن نطلق عليها “لغة متداخلة”، أو كما يقول فضيلة الشيخ مصطفى بن أحمد البحياوي: “اللغة تتبع الأمة ضعفا وقوة، هي من تجليات ضعفها وقوتها“.

هذا عملٌ يحاول ربما تحفيز الذات الإنسانية على طرح السؤال المسؤول ذو النزعة الموقظة للهمم من أجل التساؤل حول الإنسان والوجود، من نحن ؟ إلى أين نتجه ؟ وكيف نتجه ؟

عمل لا يصلح أن نعتبره قاعدة بل أن ننسفه بطرح وتحفيز التساؤل من أجل فتح الإمكان المعرفي الإنساني المتسم بالجمالية والواقعية دون أن نقع في فخ المثالية أو الطوباوية. إننا لسنا في الجنة، نحن بَشرٌ، والجميل في الإنسان أن يخطئ ويحاول إعادة تشكيل ذاته ببنية منهجية قوية.. والله أعلم!

لحظة تساؤل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *