طه حسين والليبرالية العربية

لا تبرح صورة الغرب تتموج حضورا قلقا دائبا في المتخيل العربي؛ تذكر بالماضي المنفلت والحاضر الجاثم إمْعانا في ركز وتائد التأخر؛ إنّها صورة لعلاقة جدلية مع الذات ومع الآخر، باعتبار أن هذا الآخر مهما شكل اختلافا ثقافيا يظل يعكس جزءا من نظرتنا إلى الذات، سواء تقدم إلينا شريكا متساويا أو كيانا متغطرسا مهادنا، فالآخر حال في المجال الوجودي للهوية. لكن ما يستتبع هذا الإحلال أو الحلول هو تحديد موقع الذات قبالة ما يجري في الغرب، وهنا تتجلى لنا النهضة الأوروبية الغربية واقعا ملموسا في حين بقيت النهضة العربية تراوح المشروع والطوبى.

يبين هذا القلق الذي أبدته النخب العربية عن تأرجح في الحسم بين نموذجين؛ النموذج الأوروبي الذي يفرض نفسه في الحاضر، والنموذج العربي الإسلامي الذي تحقق في الماضي، والذي لا ينفك يسحل المثقف العربي الإسلامي بثقل تاريخيته. على نحو ما، أدى هذا القلق إلى توزع في المواقف والرؤى؛ بين موقف سلفي من الواقع والتراث والآخر بقي حبيس “نزعة تقليدية ماضوية” متسربلا بأسمال الحيطة والحذر، وموقف ليبيرالي عاين إغراء الغرب واندس في لججه، تحديدا بعد حملة نابليون على مصر (1798) ووصول محمد علي إلى السلطة ودأبه على إرسال بعثات علمية لتكوين نخبة محلية مثقفة تواكب متطلبات مؤسسة حديثة، ليسطع نجم بعض من المثقفين المصريين أمثال رفاعة رافع الطهطاوي وعلي مبارك.

في ثبج النقاشات التي سامت أطوار التقليديين والتحديثيين، كان الفتى طه حسين آنذاك قد بدأ يخرج من جبة فقهاء الأزهر وعمامتهم ليرتدي الطربوش والبذلة الرسمية، فالحلم الذي داعبه طويلا بالسفر إلى باريس غدا حقيقة حيث يقول: “وتراني، في يوم من الأيام، على ظهر سفينة عابرا البحر، تاركا العائلة وأصدقائي مندهشين أيّما اندهاش لمغامرتي التي لم يكن من الممكن تصورها من قبل”.

بين سطوة الحلم، الذي كابد من أجله طه حسين الحشف وسوء الكيلة –فقرا ورسوبا في امتحان العالمية-، وجسامة الواقع المتمثل في حضور درس إميل دوركايم، إرنست بلوخ وغاستون لاتسون.. تكونت لدى الطالب الأزهري-السوربوني نظرة واضحة ومنسجمة للغرب باعتباره نموذجا يحتذى وطريقا لحبا لا معدى عنه، يستدعي بقوة دور المثقف العربي في مجتمع متأخر يقاوم التأثير الثقافي الخارجي، ليكون مراسه ايجاد السبل الممكنة للمساهمة في تغيير العقليات وتحديث المجتمع.

عميد الأدب العربي طه حسين

لقد كان تخصص دراسة التاريخ الذي أملاه الأمير الخديوي على طه حسين مزية من حيث لا يحتسب، اذ عرفه على الحضارة الإغريقية، وهي لديه أصل الحضارة الإنسانية القديمة والحديثة، بله هي الحاملة لأسس العقل الإنساني، ومن الأسباب التي هيأت للغرب الحظوة والطليعة كان أخذها بالنظر العقلي المستمد من الثقافة اليونانية، ولذلك ” فإن بناء العقل العربي، أو تأسيس ثقافة مستندة إلى مبادئ العقل في المجال الفكري العربي، يفترض إقامة تفاعل تاريخي حقيقي مع العقل الأوروبي، وذلك بالرجوع إلى الجذور التي ينبني عليها النمطان العقليان الغربي والشرقي”، ففي الوقت الذي نجد فيه “العقل اليوناني يسلك في فهم الطبيعة وتفسيرها هذا المسلك الفلسفي الذي نشأت عنه فلسفة سقراط وأفلاطون وأرسطو وطاليس ثم فلسفة ديكارت وكانط وكونت وهيغل… نجد العقل الشرقي يذهب مذهبا دينيا قانعا في فهم الطبيعة وتفسيرها”.

لم تكن مسألة العقل والعقلانية مجرد ترف ذهني ينشغل به عميد الأدب العربي لتبديد سحب نهاره، بل رهانا أساسيا في عملية التغيير الذي يسعى إلى إحداثه في المجتمع المصري، إنها وعي برفض كل تنازل إزاء ضرورة التغيير ولو استوجبت تمردا جذريا على المسلمات والقناعات التاريخية، وهذا ما سيبدو لافتا في كتابه “في الشعر الجاهلي” ؛ الكتاب أحدث ضجة وزوبعة في المحيط الثقافي العربي، لأنه حرك أحجارا ثقيلة من على رقعة الهوية العربية الإسلامية كما تتجسد في اللغة والدين، وبنفس القدر من الجسارة التي انطوى عليها الكتاب لمّا أخضع عينات من النصوص العربية إلى مبضع المنهج الديكارتي، بدا التراجع والمهادنة، ينبئان عن منسوب كبير من الإحباط شعر به الكاتب وهو يرى تهم الردة والمساس بالمقدسات تقذف في وجهه حمما ملتهبة.

لقد اضطر طه حسين إلى تغيير عنوان كتابه إلى “في الأدب الجاهلي” تجنبا للإصطدام بالقوى المحافظة، بيد أنه بقي مستسلما في قرارة نفسه لمنطق التحديث والقول بتنوير العقل لتغيير الواقع ولإحداث الثورة الثقافية والسياسية.
لم تجف محبرة طه حسين؛ فالرواية كانت مخرج “زقاق المدق” من خلال استحضار شخصية أديب الشاب العربي المفتون بالغرب رمز الحضارة والإنعتاق من طوق القديم والعتيق، والتواق لقيمة الحرية بوصفها قيمة غير قابلة للجدل، وجدت في الغرب وشقى لغيابها في مصر.

ما بين الشرق والغرب، ليس الانفصال ككيانين جغرافيين، وإنما كثقافتين، ولكن هذا الانفصال لا يعني القطيعة البتة، إذ حسب طه حسين من اليسير على العقل المصري أن يفهم الرجل الفرنسي أو الإنجليزي مقارنة مع الرجل الصيني أو الياباني، ولذلك فإن كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” يعد دعوة إلى إعادة تنشيط العمق الإغريقي للعقل المصري، والعمل على إدماج مكتسبات الحداثة التي لم تكن بأي شكل من الأشكال غريبة عن هذا العقل؛ ويكأنه يدعو إلى “مدينة فاضلة” تليق بحجم عظمة مصر التاريخية.

طه حسين والليبرالية العربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *