أكبر كارثة وقعت في تاريخ المغرب

الفيضان كارثة، ولكن هناك ما هو أفظع

تعيش بعض المدن الشمالية المغربية خلال هذه الأيام تحت وقع العديد من الفيضانات المدمرة، وهي ربما فرصة ذهبية أمامنا لأن نقفز إلى التاريخ قفزة نتوخى منها الحديث عن أكبر كارثة بشرية طبيعية حضارية كونية وقعت في تاريخ المغرب.

ولعل القارئ الآن متشوق ويتساءل من جهة قبل أن يسمع تفاصيل القضية عن ماهية هذه الكارثة؟ ولماذا لم يسمع بها من قبل؟ وهل معقول أنه لم يسمع بها وهو المتتبع الجيد؟ ومن جهة أخرى يتساءل هل كاتب هذا المقال سيخدعنا بتضخيم حدث تافه ويسميه أكبر كارثة في تاريخ المغرب؟
أسئلة مشروعة.. ولها جواب مُقْنِع!

وكمعلومة فإن هذه الكارثة كانت تتكرر بالمغرب عبر التاريخ الطويل بشكل دوري .. وقبل ذكرها بالاسم أدعوكم لجولة تاريخية سريعة بالانتقال من حدث إلى حدث وبعد ذلك نفصل في الأمر.


بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، ومنذ الخليفة عمر بن الخطاب، جاء المسلمون من الشرق إلى الغرب (من الجزيرة العربية إلى الدول الحالية ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا)، وذلك قصد نشر الإسلام في هذه المنطقة. ويحتفظ لنا التاريخ بقولة مشهورة منسوبة للخليفة عمر بعد دخول المسلمين إلى برقة وفزان (أي ليبيا الحالية) حينما قال عن تونس (التي كانت معروفة حينها باسم إفريقية) لما سُئل عن قرار فتحها من عدمه: “لا إنها ليست إفريقية، ولكنها المُفَرَّقة، غادرة مغدور بها، لا يغزوها أحد ما بقيت” (ابن عبد الحكم، فتوح إفريقية).

وربما لشدة أهالي المنطقة كان في كل مرة يَنشر فيها المسلمون الإسلام ويعتقدون أنهم قد نجحوا في المهمة يثور عليهم الناس، حتى جاءت ملكة مشهورة جدا في التاريخ اسمها “ديهية”، وهي ابنة المنطقة وفعلت كل شيء ليبتعد المسلمون ومعهم البيزنطيون عنها وعن شعبها حتى وصل الأمر أن أمرت أتباعها بحرق كل شيء ثمين فقط ليبتعد “الأجانب عنها” فيما كان يُعرف بسياسة الأرض المحروقة .

وفي حدث آخر تعلمون ربما عنه الكثير، تأتي الدولة السعدية في المرتبة الخامسة في ترتيب الدول التي مرت على المغرب (بعد المرابطين والموحدين والوطاسيين والمرينيين)، ووقع أن السعديين لما وصلوا للحكم كان العثمانيون قد أكلوا واحتلوا تقريبا كل الدول المجاورة من ليبيا إلى تونس إلى الجزائر ولم يبقى إلا المغرب مستقلا بين كمّاشتين؛ هما العثمانيون في الشرق بالجزائر، والإسبان مع البرتغاليين في الشمال.

وحتى وإن أتى شخص في هذه المرحلة وقال على المغرب أن يدخل تحت إمرة العثمانيين المسلمين دون الأجانب الإسبان والبرتغاليين فإنه لا يلام، إلا أن المغرب السعدي كان قد اختار حينها المقاومة في وجه التيارين معا ولم يدخل تحت إمرة أي أحد منهما.
وفي 30 مارس 1912 وقعت الكارثة التي نتحدث عنها منذ البداية ألا وهي “الاحتلال” بتوقيع ما سمي حينئذ “بعقد الحماية” بين المغرب وفرنسا.

جانب من فيضانات مدينة تطوان بشمال المغرب

وهي ربما أكبر كارثة تقع بشكل دوري في تاريخ المغرب بين الفينة والأخرى، مع تسجيل أن المغرب تميز دائما عن غيره بما يُنسب لأول مقيم عام فرنسي بالمغرب هُبير ليوطي قوله بفكرة “الاستثناء المغربي”.
وأكبر مثال على ذلك ربما هو الصبغة الخاصة للمغاربة والمغاربيين في نظرتهم للإسلام والتي تختلف حتما عن نظرة المشرقيين. فكلمة الاحتلال أو الاستعمار أو الغزو الأجنبي هي أكبر كارثة لأن في تطبيقاتها تحاول أن تلغي الآخر، وهذا ما يرفضه المغاربة عبر تاريخهم الطويل.

ففي الكتاب المدرسي لمادة الاجتماعيات الذي يدرسه أبناء المغاربة في السنة الأولى إعدادي، هناك درس يتحدث في تفاصيله عن أهم الأسباب التي دفعت أجداد المغاربة (أي الأمازيغ) للمقاومة القوية والشجاعة في وجه الاحتلال الروماني للأراضي في السنين الأولى بعد الميلاد، وكان من بين أبرز الأسباب المذكورة هو ما أحس به أجدادنا من محاولة محو الشخصية الأصلية والأصيلة للسكان، وهذا ما دعاهم للاستمرار في المقاومة وبشراسة لم ينقطع معها روح البحث عن الحرية.
وحتى وإن تمت الإشارة لكارثية الاحتلال، فإن لهذه الكلمة ما يشفع لها أن تبعث الأمل من جهة أخرى، وذلك بكونها هي الوحيدة التي كانت قادرة على أن تفرز جيلا من القادة المقاومين والمثقفين الوطنيين في المرحلة وما بعدها في فترة الاستقلال.

وغير بعيد عنا تجربتي المغرب الأخيرتين في الاحتلال من طرف فرنسا وإسبانيا بالتحديد ما بين سنتي 1912 و 1956 وما نتج عنهما من بروز شخصيات من مجالات عدة مثل محمد بن عبد الكريم الخطابي ومحمد عابد الجابري والمكي الناصري وأحمد بوكماخ والمهدي المنجرة وعبد الخالق الطريس ومحمد بلحسن الوزاني وعبد الله العروي .. وغيرهم كثير.

وكما أن كارثة الفيضانات اليوم في المغرب لها غالبها المؤثر سلبا بالخسائر في الأرواح والممتلكات، فإن لها جانبا مضيئا في تضامن الناس وتعاونهم مع بعضهم البعض على أمل مرور الأزمة بأقل الأضرار الممكنة.
وتبقى كارثة الاحتلال وكارثة الفيضان وجهين لعملة واحدة؛ فالاحتلال يفيض معه الدم بالجرائم التي يرتكبها المحتل في كل الدول التي يتم احتلالها، والفيضان يحتل الفضاءين الخاص والعام دون إذن من أحد بفائض في الماء الذي طالما انتظره الناس.

وفي النهاية يظل الحديث عن موضوع الكوارث نوعا ما أمرا حساسا، وعليه فليس لنا إلا أن ندعو الارتواء بماء المطر على قدر من النفع، وندعو لدم البشر على حاجز من المنع.

أكبر كارثة وقعت في تاريخ المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *