التحدي الحقيقي

الاكراهات التي يشهدها المغرب على المستوى السياسي

ثمة أشياء تدعوك أن تفخر بالانتماء إلى هذه الدولة، فحتى حدود كتابة هذه الأسطر، تفيد إحصائيات وزارة الصحة المغربية أن المغرب يكسب رهان التحدي في مواجهة كورونا، حيث أن عدد المغاربة الذي تلقوا الجرعة الأولى من اللقاح بلغ 4 ملايين و169 ألفا و133 شخصا، فيما وصل عدد الذين تلقوا الجرعة الثانية من اللقاح مليونا و224 ألفا و959 شخصا، وهي أرقام تظل بالنظر إلى محيطنا المغاربي أرقاما مشرفة، إذا ما لاحظنا أن الجزائر لم تتمكن سوى من انتزاع 300 ألف جرعة، وأن موريتانيا لم تتوصل إلا ب5 الاف جرعة، فيما لم تتوصل تونس وليبيا بأية جرعة من اللقاحات المضادة لفيروس كورونا حتى الآن.

سياسيا، يظهر أن المغرب ماض في فرض دبلوماسية وازنة وصريحة داخل المنتظم الدولي، تصب في مجملها نحو دفع الدول الصديقة نحو توضيح موقفها حيال قضية الصحراء المغربية، وعليه سعت بعض هذه الدول إلى فتح تمثيليات لها داخل مدن الصحراء المغربية، لعل أخرها قنصلية عامة للأردن في مدينة العيون.

وفي الوقت ذاته، زاد الموقف المغربي من صرامته تجاه الأفعال والسلوكات العدائية، التي تعبر بها بعض الدول عن انحياز للموقف الإنفصالي، ولنلاحظ هنا كيف استجاب المغرب سريعا لإقدام البرلمان الجهوي لبريمن في ألمانيا على رفع علم الجمهورية الوهمية على واجهته في ذكرى تأسيسها، إذ ردت الدبلوماسية المغربية في شخص وزير الخارجية ناصر بوريطة ببلاغ كان التحدي سمته الأبرز، حيث وجه فيه باقي الوزارات إلى تعليق كل أشكال التواصل والتفاعل والتعاون مع السفارة الألمانية وهيئات التعاون والمؤسسات السياسية التابعة لها. ولا نغفل أيضا تطور مستوى وعي وتضامن الشعب المغربي مع الموقف الرسمي، ضد الهجمات الإعلامية التي يتعرض لها البلد وبعض رموزه من طرف إعلام الجارة الحاضنة للانفصاليين.

على النقيض، فاجعة معمل النسيج بطنجة التي أودت بحياة 28 عاملا، تظل وصمة عار على جبين السلطات المغربية، وتنضاف إلى سلسلة من الأزمات والفواجع التي مافتئت مدن متفرقة من الوطن تشهدها، بشكل يبقى القاسم المشترك فيما بينها تقصير المسؤولين والمؤسسات وغياب المحاسبة. وعلى ما يبدو، فإننا في أمس الحاجة أكثر من أي وقت مضى، إلى تعديل دعاء “الله يعطينا على قد النفع” ليصبح ” الله يعطينا على قد الخدمة المغشوشة“، أمام تعرض مدينة تطوان هي الأخرى، لفيضانات عرت واقع البنية التحتية المهترئة، وأفضت إلى خسائر مادية وبشرية، رافقها صمت وتنصل المسؤولين كالعادة، ومما يدعو للقلق تزامن هذه الفيضانات مع أزمات اقتصادية خانقة تعيشها الأسر القاطنة بالشمال منذ توقف التهريب المعيشي بمعبر سبتةالمحتلة، ما جعل سكان مدينة الفنيدق، المتضررين بالشكل الأكبر من قرار الإغلاق، يخرجون في احتجاجات يؤسف على الطريقة التي استجابت بها الدولة لها.

من احتجاجات الفنيدق

هناك يقين لدى المستفيدين من أن الأوضاع المأساوية التي تعيشها الأسر المغربية عموما جراء الإجراءات المشددة التي لازمت كورونا منذ ظهورها، لن تحرك ساكنا، وستظل الفنيدق استثناءا لا غير، سيجري احتواءه – بطريقة أو بأخرى-، ولعل ما يقف وراء هذا اليقين، التهاء الشعب وراء التفاهات وانغماسه في متابعة مستجدات عرابيها. قديما كان الماسكون في الخفاء بزمام الأمور، يستعملون خيانة العبيد وإغراء الجاريات لأجل التعجيل بإنهاء فترة ازدهار الوعي والتحضر العربيين التي طبعت العصر العباسي، وهو الشيء ذاته الذي نشدهه الان، لكن هذه المرة لإلهاء الشعب، ومن ثمة الحيلولة دون وعيه واستفاقته التي تعجل بمطالبته بحقوقه الكاملة والمشروعة.

أخبروا الآلاف من متتبعي موجة التفاهة الأخيرة، أن الشعوب الحرة التي تريد الإرتقاء بوضعية دولها السياسية والاقتصادية والفكرية، لا تنحصر في متابعة خصومات عبيد التفاهة وجواريها، وأن الأزمات المتسارعة التي يشهدها الوطن لا تسمح بغض الطرف عنها لصالح أية أحداث تافهة وعابرة، لأجل تهيئة الشعب نحو الإختيار الصائب في المحطة الانتخابية الهامة المقبلة.

التحدي الحقيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *