لماذا مصر أمُّ الدنيا والمغرب أبوها؟

كلُّ شعبٍ ببلاده مُفتَخِر!

في المغرب، يُقال كثيرا بالعامّية : “فلان شنو لي مْسخَّن ليه الكْتاف؟” بمعنى أن فلان من أين يأتي بكل تلك الثقة بالنفس التي تجعله يقول ما يقول، وهذا ما سنحاول أن نُحلّله بالدلائل في مسألة افتخار المصريين بوطنهم وقولهم عنه “أمّ الدنيا“، ورَدِّ المغاربة بأن المغرب ‘أب الدنيا’.
فلماذا يفتخر المصريون بهذا الحجم بوطنهم ولِمَ يرد المغاربة بالضبط وليس غيرهم ؟

أعتقد أنه ما مِنْ شخصٍ في الكرة الأرضية ناطق باللغة العربية إلا وسَمِعَ بالكلمات الثَّلاثِ التالية “مصر أمُّ الدنيا“، ويلاحَظ أنه كلما ذُكرت تقريبا هذه الكلمات إلا ويأتي رد مغربي عليها بمثابة تتمة للكلام بما يفيد أن الدنيا إن كان لها أمٌّ هي مصر، فإن لها أباً هو المغرب.

وقبل بداية التعمق في الحديث ، لا بدّ من الإشارة لمسألتيْن مهمتيْن:

المسألة الأولى؛ هي أنه سيكون التجرّد قدر الإمكان من الانتماءات الضيقة لبلد معين أو جهة معينة في نقاش الموضوع،
والمسألة الثانية أنه سيتم طرح عدة نقاط متعددة لكل بلد ؛ ستة نقاط لمصر وستة نقاط للمغرب، وذلك في محاولة لتفسير ما الذي “يُسَخِّنُ ” أكتاف المصريين والمغاربة في افتخارهم بوطنهم لهذه الدرجة دون الآخرين.

أولًا : يبدو أن أكبرَ نقطة يستند عليها المصريون في فخرهم ببلدهم هي أنهم “أحفاد الفراعنة” أصحاب الحضارة العريقة، لا وبَل اخترعوا للعالم عِلْماً جديداً اسمه ” علم المصريات ” يُعنى بدارسة الحضارة الفرعونية القديمة، وهذا يعطي للإنسان شرعية كبيرة، ويمكن أن يصل حتى عند احتدام النقاش بين مصري وغيره لطرح سؤال مفاده ؛ أنا لديّ تاريخ، وأنت مَن تكون ؟

ثانياً ، يُمثّل الأَعْلامُ أحدَ أهم ركائز افتخار المصري اليوم، فأينما بَحثْت في المجالات بين الأمس واليوم لن تجد في الغالب سوى أسماء المصريين؛ الفرعون توت عنخ آمون ، الكوميدي عادل إمام ، الكاتب أحمد خالد توفيق ، الشيخ متولي الشعراوي ، الشاعر أحمد شوقي ، الأديب طه حسين ، الروائي نجيب محفوظ ، الإصلاحي رفاعة الطهطاوي ، الرياضي محمد أبو تريكة .. وهذه نقطة عشوائية في بحر الشخصيات المصرية المؤثرة التي بالتأكيد تعرفونها.

ثالثا ، يظهَر أن أحد أركان افتخار المصريين هو في كونهم قوة بشرية هائلة، فمصر اليوم هي بمثابة “صين العرب“، وذلك بعدد السكان الذي يتجاوزُ 100 مليون نسمة، وهو تقريبا عدد سكان المغرب والجزائر وتونس مُجتمِعِين.

رابعاً، يُعدّ المصريون في الظاهر هم الأكثر حديثا عن نهر النيل، حتى إنّ المؤرخ الإغريقي هيرُدوت قال “مصر هِبة النيل” في إشارةٍ للأهمية الأساسية للنيل في حياة مصر والمصريّين .. وهذا -أيضًا- يفخر به المصريون كثيرا بالرغم من أن نهر النيل تشترك فيه حوالي 11 دولة بين دول المنبع ودول المصب ( سد النهضة الإثيوبي، اسماعيل شمس الدين).

خامسًا، يفتخر المصريون اليوم في كل الأحوال بالتصنيفات العالمية لجَيْشهم وكثرته العددية، ويَعُدّون ذلك مصدرَ حمايةٍ لهم، وبالتحديد من التهديدات الخارجية.

سادسا ، يبقى، ربما، مصدر فخر المصريين في سنوات عدة هو في ميدان كرة القدم، وكيف أن منتخبهم فاز بأكثر الألقاب الإفريقية، وكيف أن ديربي القاهرة بين الأهلي والزمالك له إشعاع وسِحرٌ لكل مَن يُشاهد.

أما بخصوص ما يبدو من أسُس فخر المغاربة ..
فـأوَّلًا، هناك قولة شائعة على أن المغاربة هم “أذكى شعب في العالم“، وحتى وإنْ اختلفنا على مدى صحة ودقّة المعلومة، فإنك إنْ تسأل أيّ مغربي في الشارع، تجده معتقداً بصحة المعلومة، بل ويفتخر بها بشدة؛ ولعل ما يُسنِد ذلك هو كمية الخُدع (القوالب) التي يمارسها المغاربة يوميا مع بعضهم البعض؛ حتى إنّ هناك مَن سيقول أن ذكاء المغاربة هو ما حركهم للرد على المصريين بذلك الرد المُعجِز في العنوان.

ثانيا، يفتخر المغاربة أنهم لهم تاريخاً عظيمًا كله مقاومة للأجانب ورفضٌ مستميتٌ للخضوع لهم، منذ أجداد المغاربة الأوَّلين أيْ الأمازيغ وإلى اليوم، بل إن المغرب مرّت عليه -على الأقل- 7 سلالات حاكمة كبرى متنوعة هُم الأدارسة والمرابطون والموّحدون والمرينيون والوطّاسيون والسعديُّون والعلويون بأراضي مترامية الأطراف وثرواتٍ لا تُعد.

ثالثا، وهذه النقطة لها علاقة بالنقطة السابقة، حيث إن المغاربة لديهم الإحساس بشيء من ” الوصاية ” على المناطق المجاوِرة ، ففي حين أن التاريخ كان مشتركا مغاربياً، فإنه أصبح اليوم مُمزّقًا بين الدول الخمس، والمغاربة يفتخرون أنهم (من وجهة نظرهم) مَن كانت لهم القيادة.

رابعًا، يَبقى من أبرَز الأشياء التي يفخر بها أيضا المغاربة هي مسألة الأَعلام والشخصيات، ولاسِيَما حينما يُقال عن المغاربة أنهم حَفدة القائد يوسف بن تاشفين أو طارق بن زياد أو محمد بن عبد الكريم الخطّابي .. أو حتّى الشخصيات البارزة الحالية مثل العالم مُنصف السلاوي، الفيلسوف طه عبد الرحمان، الإعلامية نهاد بنعكيدة، الطفل إيدر مطيع، الطفلة مريم أمجون .. واللائحة تطول!

خامساً،يَفتخر المغاربة كثيرا بلهجتهم العامية الدّارجة على كل لسان؛ خاصّة وأنها تتيح لهم لفظ أحرف اللغة العربية بنوع من السلاسة، وتساعد بِغِناها وشساعة قاموسها في فهم لهجات الدول العربية الأخرى.

سادسًا، يضم المغرب روافد جَمّة تصبُّ كلها في نقطة واحدة؛ فهناك الأمازيغي والعربي والصحراوي بتفرّعاتهم، وهناك القادم من الأندلس تاريخياً (الموريسْكِيّون)، والقادم من الدول الإفريقية حاليا، وهناك المسلم والمسيحي واليهودي، والكل في النهاية اسمه “مغربي“.

وفي الأخير تبقى مصر شامخة، ويبقى المغرب شامخاً كذلك، ويظلّ البَلدان شقيقيْن لا يفرّق بينهُما شيء، فكَما يُقال: الأفق يتّسعُ للجميع.

لماذا مصر أم الدنيا والمغرب أبوها؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *