لحظات من الحنين

على لسان أستاذة متدربة

في صباح باكر وبارد اقتحمنا نظامهم وقسمهم، شاهدت الدهشة في عيونهم، يترقبون ويتساءلون، من أنتم!! ماذا يفعل أشخاص بحجمكم هذا في طاولات صغيرة كهذه، كلَّ لحظة يديرون رؤوسهم الصغيرة لكي يروا الزائر الغريب الذي يتربع آخر طاولة في القسم.

طاولة صغيرة لا تسع رجلاي، هناك شعور غريب ينبت داخل خاطري، أنا أيضا كنت بهذا الحجم وفي هذا السن، وفي نفس القسم؛ هو القسم الأول ابتدائي، هو بداية المشوار.

كانت أول وضعية مهنية لي في إحدى المؤسسات المدرسية، اكتفيت فقط بمراقبة مجرى الحصة فأنا الدخيلة المرغوب أو غير المرغوب فيها، وكلاهما سواء بالنسبة لي، المهم هو  شعور الحب الذي تبادلناه أنا والصغار في نهاية الحصة، وجدت أنه لا فرق بيني وبينهم، فأنا أيضا أجد نفسي طفلة أحيانا وأحيانا أخرى فتاة ناضجة تخشى مفارقة الطفلة التي بداخلها.

أردت أن أصف تلاميذ الفصل الذي كنت أنا زائرته فلم أجد وصفا يناسبهم غير البراءة والنشاط والعفوية كما بعض الحركية المفرطة. بركان حنين انفجر داخلي حينها، يرمي بحممه لماض قريب بعيد، لطفولتي لمدرستي لذكرياتي، مجرد تأمل تفاصيل المدرسة وأسوارها ورسوماتها وسماع صوت الجرس، جمعهم للأدوات في الحقيبة، التزامهم بالصف، حتى كيفية تزيين القسم والطاولات تشعرك بالسعادة، اذن الطفولة هي السعادة!!! ربما…؛ فهم كلهم مبتسمون، لكن مُدرستهم لا تبتسم، أيقنت بأنها تؤدي واجبها المهني فقط، أرى فيها الكثير من التعب وانعدام الشغف، ربما هي الأخرى لم يكن هذا المكان حلم طفولتها، هم سعداء وهي تشعر بالشقاء، مشاعر متناقضة، السعادة والشقاء، لكن السعادة لا تطاق، والشقاء أيضا لا يطاق…، لا بأس بحياة تحمل مزيجا متوازنا بينهما… لابأس بذلك حقا.

صورة تعبيرية – براءة التلاميذ الصغار

أتذكر أنني كنت أقوم بنفس حيلهم، أمسك قلمي المنجور الرأس أصلا وأتوجه به لسلة القمامة كي أنجره من جديد، هم أيضا يشعرون بنفس الفرحة حينما يحصلون على إذن بالذهاب للمرحاض؛ الأجيال تختلف لكن التصرفات لا تختلف ومسببات الفرحة هي نفسها، النشاط نفسه، وحتى كيفية رفع الإصبع والمناداة باسم الأستاذة من أجل الجواب عن الأسئلة نفسها…

رن الجرس و حان موعد الانصراف، ودعت الصغار وشكرت الأستاذة والمدير ومضيت في حال سبيلي، وطردت الحنين الأخرس الذي اجتاحني، فالمستقبل أيضا يبدوا مزهرا ومثمرا، فقط علينا أن نكف عن التفكير الزائد في الناس والمحيط والغريب، وأن نتخذ قراراتنا بعيدا عن شعورنا بمدى فخر أو شماتة الغير بنا، أو مدى بغضهم لنا، ما علينا هو أن نستثمر الأنفاس الصاعدة والجهد والتعب المبذول والعرق المتصبب في ما نحب ومن أجل من نحب؛ فالحنين متعب، والمستقبل مشرق.

لحظات من الحنين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.