المواجهة بين عبد الله العروي والمهدي المنجرة

عن المفكرين المغربيين

يعيش المغرب هذه الأيام حدثين مهمين، هما الإشاعة الثانية حول وفاة المفكر عبد الله العروي، وذكرى ولادة المفكر المهدي المنجرة رحمه الله. وقد يبدو من الوهلة الأولى أن لا شيء يجمع بين هذين المفكرَين المغربيين، إلا أن المواجهة الموالية بينهما ستكشف الكثير.
فما الذي يجمع أو يفرق بين المفكر عبد الله العروي والمفكر المهدي المنجرة ؟

..
لَمّا تسأل أي شخص يعيش في الصحراء أو في أراضي جافة عن أمنيته، مباشرة سيقول “ أتمنى فقط بعض قطرات المطر ” ، وكذلك فإن المرء يفرح كثيرا حينما يصبح حديث الساعة في الإعلام يدور حول مفكرِين، فقد جفت أراضينا الافتراضية من الحديث عن المفكرِين والمثقفين منذ مدة طويلة. فحتى وإن كان الحديث عنهم هذه المرة هو تقريبا مصادفة وهو بفعل شيء غير عزيز على الإنسان هو الموت، إلا أن مجرد دخول هذا النوع من النقاش إلى الساحة فهو مكسب كبير.

وقبل الدخول في موضوع المواجهة بين الشخصيتين المذكورتين لابد من توضيح أن المحاولة ستكون شخصية لتقييم تجربة المفكرَين معا، من زاوية قد تُصيب وقد تخيب، وذلك من خلال إظهار أين يلتقيان وأين يفترقان، وستكون بها الكثير من الصراحة التي قد لا يتقبلها البعض، لكنها في النهاية تبقى نظرة يمكن أن تمثل الكثير من الشباب المغاربة وكيف يرون أعلامهم وكبار مفكريهم. وذلك عبر خمسة نقاط أساسية.

فأول ما يبدو من الحديث عن الأستاذين العروي والمنجرة أنهما صحيح ناقشا قضايا عميقة جدال، إلا أن الأول يبدو ابتعد ما أمكنه عن السياسة، والثاني كان أكثر قربا من السياسة. وهذه الفكرة بقدر بساطتها بقدر أهميتها وقد تَفصل معنا في كل ما سيأتي من قول.

ثانيا، وإن يرى الإنسان في الظاهر أن عبد الله العروي مفكر كتب في الفكر والثقافة والفلسفة والأدب .. وكل شخص درس عنه في مجاله يحسبه على مجال معين، إلا أن المشهور به وعنه أنه متخصص ومُنَظّر في علم التاريخ بكتب من مثل ” مُجمل تاريخ المغرب ” و” مفهوم التاريخ ” أي انه مؤرخ اهتم كثيرا بالماضي، وعلى العكس تماما كان المهدي المنجرة، وإن هو الآخر اهتم بالفكر والثقافة والسياسة.. وناقش الحاضر كثيرا، إلا انه يعد عالِم مستقبليات اهتم كثيرا بالمستقبل، بكتب تصب في المستقبل البعيد من مثل ” الحرب الحضارية الأولى ” و “ قيمة القيم ” .

ثالثا، يعتبر أكثر ما يلام عليه عبد الله العروي هو لغته المعقدة والمفردات الفريدة جدا، وهنا تأتي إلى الذهن الجدلية القديمة الجديدة التي يتساءل معاها الجميع ؛ هل المثقف من سيهبط عند الجمهور أم الجمهور من سيصعد عند المثقف؟ وهل يعتبر المثقف في الاصل فوق الجمهور؟وأيضا، هل الثقافة يجب أن تُفهم كما هي أم يجب تبسيطها؟ وهل تفقد أهميتها عندما يتم تبسيطها أم لا؟ومَن مِن واجبه تبسيطها؟ هل صاحبها أم شخص آخر وسيط؟

فعلى ذكر تبسيط الثقافة وفي واقعة ذات ارتباط، قام عبد الله العروي بترجمة أحد كتبه بنفسه من الفرنسية إلى العربية، وهو كتاب ” الايديولوجيا العربية المعاصرة “، وذلك لما وجد أن من ترجمه قام بترجمته بشكل سيئ أضاع معه المعاني والأفكار.

وبالحديث عن مسألة استعصاء فهم اللغة، كانت هناك مداخلة في حوار تلفزي شهير لعبد الله العروي على القناة الثانية المغربية ببرنامج ” مباشرة معكم ” ، حول مسألة التعليم باللغة العربية أو الدارجة، قال انه لابأس في السنين الأولى من تدريس الأطفال بلغة عربية بسيطة جدا، ولكنه اعتبر استعمال الدارجة – وإن كانت راقية – أمر يشكل خطر على مستقبل الناشئة.

من جهة أخرى فإن المهدي المنجرة تعتبر لغته بسيطة جدا وإن كانت مفرداته فريدة أيضا، إلا انه يبدو قويا ومتمرسا جدا في الكتابة، زيادة على قدرته على شرح أفكاره للجمهور بالصوت والصورة بسلاسة كبيرة، بخلاف أن ما يلحظه البعض على عبد الله العروي هو كونه لديه قوة كبيرة في الكتابة أكثر من شرح أفكاره للعموم بالصوت والصورة.

رابعا، معظم المفكرين المغاربة الوطنيين الذي ظهروا بعد الاستقلال حاولوا التوجه الى السياسة في بداية الامر أو على الأقل فكروا في التخصص فيها وحدها، وبعد مدة قصيرة انصرفوا إلى الثقافة بسرعة، ومِن هؤلاء المفكرين عبد الله العروي والمهدي المنجرة.

خامسا، يلاحظ أن العروي والمنجرة اهتما معا بقضايا دولتهم ومنطقتهم وأمتهم، مع التسجيل أن الأول – أي العروي – يبدو أنه لا يحب الظهور كثيرا على الشاشات، ويفضل نقاش المواضيع وإبداء رأيه فيها عبر كتابة الكتب، والثاني – أي المنجرة – وانطلاقا ربما من المسؤوليات والمناصب التي تَنَقّل بينها في منظمة الأمم المتحدة جعلته يختار أن لا يُضيع أيّة فرصة للتعبير عن آرائه كتابة وحديثا، خاصة وانه اعتبر نفسه دائما حاملا لرسالة ثقيلة جدا، رسالة لم يدّخر جهدا أو طاقة لإيصالها للناس بكل ما اوتي من قوةوجهد.

وتبقى من عيوب المقارنة أنها لا تَعْدِل أبدا بين الكيانات المقارنة، وحتى إن حاولنا أن ننكر أننا أقمنا مقارنة سنكذب، فقط ما يشفع لنا هنا هو التأكيد على أن القصد كان هو الحديث عن تجربتين مهمتين من تاريخنا، وعليه فسيظل فخرنا جميعا كمغاربة هو أعلامنا مهما باعدت الموت بيننا وبينهم، فإنّ فِكرهم سيبقى فينا تتوارثه الأجيال.
..
وفي النهاية يبقى المفكر عبد الله العروي والمفكر الراحل المهدي المنجرة منارتين مغربيتين تضيئان سماء المملكة الافتراضية هذه الأيام مؤقتا، لكنهما سيبقيان يضيئان المملكة واقعيا دائما وأبدا.

المواجهة بين عبد الله العروي والمهدي المنجرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *