حياة بعد الغسق

من معجزات الله أن خلَقَ الليل والنهار، فجعل الشمس دليل النهار الذي يتخذه الناس معاشا، بينما جعل من الليل وقتاً للسكون والراحة استعداداً ليوم جديد في صبيحة الغد؛ إلا أن هناك فئة من الناس من ينتظرون لحظات الشفق ليبدؤوا حياتهم خارج أسوار بيوتهم متخذينَ من القمر سراجًا ينير لهم السبيل في عتمات الليل ليتمكّنوا من استكشاف محيطهم الخارجي، ذلك لأن خيوط الشمس الذهبية تشكل تهديدا لهم.

أعداء الشمس أو كما جرت العادة مناداتهم بـ”أطفال القمر“؛ وهم أشخاص اتخذوا القمر صديقا بعد أن حكمت عليهم الأقدار بالعيش بعيدا عن أشعة الشمس لما تسببه من أضرار وخيمة العواقب على صحتهم؛ ذلك لأنهم يعانون من مرض وراثي نادر يدعى: التقرح الجلدي الاصطباغي أو جفاف الجلد المصطبغ – xeroderma pigmentosum – و الذي يسبب لهم حساسية مفرطة اتجاه الأشعة فوق البنفسجية.

غالبا ما يتم تشخيص المرض في مرحلة الطفولة المبكرة وذلك بظهور أعراض على مستوى الجلد (من التهاب و جفاف وبقع داكنة ) مصحوبة بالتهابات بصرية وأمراض عصبية . ومن مضاعفات المرض ظهور أورام قد تكون سرطانية. أما علاجه فيرتكز بالدرجة الأولى على الوقاية الشيء الذي يتطلب توفير وسائل خاصة ومُكلفة من مراهم وأقنعة ومصابيح ملائمة .. إضافة إلى توعية الطفل وأسرته بضرورة الالتزام بكل الاحتياطات والتدابير لتجنب تعرضه للأشعة فوق البنفسجية وكذا أهمية َالمراقبة الطبية المستمرة في الرصد المبكر للأورام.

تضم دول شمال أفريقيا أكبر تجمع للمصابين بجفاف الجلد المصطبغ؛ ففي المغرب مثلا أثبتت الإحصائيات تسجيل مصاب من كل مئة ألف طفل، لكن و كسائر دول العالم الثالث لا زالت أسر هؤلاء الأطفال تعاني من صعوبة إيجاد وسائل الوقاية من الأشعة فوق البنفسجية وكذا من التكاليف المادية التي أرهقت كاهل العديد منها رغم الجهود المبذولة من قبل مؤسسات المجتمع المدني المتمثلة في جمعيات تنشط منذ سنوات لتحسين أوضاع هؤلاء الأطفال. إلا أن هناك مصابين يقطنون في مناطق بعيدة وأخرى نائية يكادون لا يعرفون شيئا عن هاته الجمعيات بل و منهم من لا يدرك مرضه حتى!

يساهم الجهل والفقر إضافة إلى التهميش الذي تعاني منه هذه الفئة في تفاقم المرض وظهور مضاعفات خطيرة تكلفهم عدة عمليات جراحية قد تصاحبها تشوهات دائمة، فظهور سرطانات خبيثة يعد أمرا حتميا أمام انعدام الحماية من الأشعة فوق البنفسجية، الشيء الذي يجعل الآباء في قلق و ذعر مستمرين على حالة أطفالهم الصحية الجسدية منها والنفسية لما يتعرضون له من سخرية و تنمر من طرف المجتمع اذ بمجرد مغادرتهم لعزلتهم بعد مكوثهم في بيتهم المظلم طيلة اليوم منتظرين أفول الشمس ليقابلوا العالم الخارجي حتى تستقبلهم نظرات الغير الجارحة! مما يعزز شعور الوحدة لديهم ويؤثر سلبا على نفسياتهم.
ومن جهة أخرى، يضطر القَمَريُّون لترك مقاعد الدراسة في وقت مبكر جدا نظرًا لغياب استراتيجية خاصة تضمن لهم الحق في التعليم والتكوين في ظروف مناسبة. مما يجعل مستقبل هذه الفئة مبنياً للمجهول.

يعدّ جفاف الجلد المصطبغ واحدًا من الأمراض الوراثية النادرة و الخطيرة حيث يحتاج المصابون بهذا الداء عناية خاصة الشيء الذي يتطلب إلتفاتة جادة من قبل المسؤولين وكذا أفراد المجتمع المدني للتخفيف من معاناة القمريين وأسرهم، كما يحبذ تسخير وسائل الإعلام المختلفة في التحسيس بخطورة المرض وحث المواطنين على التعامل مع هؤلاء الأطفال بوعي ورحمة.

حياة بعد الغسق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.