ما تعلمته في الحياة لحدود الساعة

دروس وعِبَر

ألفنا في هذه الحياة أن من يتحدث عنها بالخلاصات هو الذي اقتربت نهايته، وهو صاحب الشَعر الأبيض والتجاعيد، وهو الذي عاش الحياة طولا وعرضا، وهو الذي أصبح كلامه مع السنين يساوي ذهبا. لكن، ماذا إن أتى شخص وخرق القاعدة وتحدث وهو شاب عن ما تعلمه لحدود الساعة من الحياة!؟

يحكي أحد الناشطين في مجال المال والأعمال أنه حضر أحد اللقاءات المهمة، وخلالها أُعطيت الكلمة لطفل عمره تقريبا 14 سنة، وأول ما قاله الطفل هو “تعلمتُ من الحياة”، وما إن قال ذلك حتى امتلأت القاعة بالضحك وقال الكثيرون منهم بسخرية وعطف ” نعم يا حاج !؟”,
ولما استأنف الطفل الكلام قال أن ما تعلمه في الحياة هو أنه إن تحدث فيجب أن يتحدث بثقة وإلا فليصمت، حاكيا موقفا حدث له في المدرسة جعل التلاميذ يضحكون عليه عندما تحدث بخجل أمامهم، ويقول الشاهد أن الجميع فعلا استغرب للثقة التي تحدث بها الطفل.

المستفاد من القصة أن الجميع في الحياة يتعلم باستمرار، وإن اختلف الأمر من فئة عمرية لأخرى، فالكهل يتعلم بطريقته والشاب يتعلم بطريقته والطفل يتعلم بطريقته، ربما الفرق فقط في حجم أهمية الشيء المتعلم الذي تتناقص أهميته -لدى الناس- من الكهولة إلى الطفولة.

فقد لا يتقبل الكثيرون وبالأخص جيل الآباء أن يتحدث اليوم شاب عمره 24 سنة عن الحياة، لأن ذلك يوحي لهم تلقائيا بفكرة أن الحديث عن الحياة مرتبط بالحديث عن المعاناة، وعليه بالتأكيد سيقولون: “من أنت لتتحدث عن الحياة؟ وكم عشت أصلا؟ وماذا رأيت؟ وماذا عانيت؟”.

وعلى ذكر الحياة والمعاناة أتساءل دائما مع نفسي: أليس من المفروض أن مر بنفس الطريق الذي تمر أنت به اليوم  أكثر من سيفهمك ويحس بك ويساعدك على الخروج من المأزق بطريقة مرنة وبأخف الأضرار!؟
فحين تكون في سن الثامنة عشرة لا يجب أن تقول ما تعلمت لأنك بالكاد بلغت الرشد، وحينما تصل الثلاثين لا يجب أن تقول ما تعلمت لأنك بالكاد عشت نصف الحياة، وحينما تصل الأربعين لا يجب أن تقول كذلك لأنك مازلت تتعلم في الحياة.. وهكذا حتى لا يُقَيِّمَ أحد من الناس مساره.

لكن رغم كل ذلك فالحديث اليوم عن الحياة ليس من جانب المعاناة -وإن كانت المعاناة لا تنفصل في الحقيقة عن أي حياة- لكن أعتقد أن من ألِف على نفسه لعب دور المظلوم والمضطهد والضحية والمسكين والمفعول به، يدخل نفسه شيئا فشيئا في كهف يعطي الراحة في البداية لزواره، لكنه في النهاية يحطمهم دون رأفة؛ وهذا أول درس تعلمته، وفي تفاصيله أن الحياة هي تحمل المسؤولية، وأقول لنفسي أني أنا المخطئ حتى ولو لم أكن مخطئا، بمعنى أن أول إعلان يجب أن يخرج به المرئ لنفسه ولكل الناس هو أنه من يتحمل مسؤولية كل ما حدث ويحدث في حياته، ومن هنا الانطلاق، وذلك لأن أي إعلان مخالف لذلك يشتت السلط في أمكنة متعددة بين أيدي الناس الآخرين، وهذه السلط يحتاجها أي شخص مجتمعة في يده فيما بعد ليبدأ رحلة الإصلاح.

صورة تعبيرية

ثاني شيء مهم تعلمته في الحياة هو مبدأ “المحاولة والخطأ”، وهو بالمناسبة مبدأ معروف في مجال التربية والتعليم كوسيلة لتعلم الأطفال، بمعنى أن كل الأمور التي يكون بها التحرك ما هي إلا محاولات تستحق ذلك فعلا، لكن الخطأ يستحق العناية الأكبر حتى وإن كان يعد أكبر عدو للإنسان لأنه يضعه دائما في مواقف حرجة من جهة، لكنه من الجهة الأخرى هو نفسه أقرب صديق للإنسان لأنه يمكّنه من شيء أساسي هو التعلم.

ثالث شيء مهم تعلمته في الحياة هو أن أكبر فخ يمكن أن يقع به الإنسان هو كثرة التعبير والكلام النظري دون التطبيقي، وتعلمت أنه من الأفضل للإنسان أن يعكس المعادلة البداية بالتطبيق وتزيين ذلك فيما بعد بالكلام، أو حتى إن تم ترك التطبيق دون كلام فهو كافٍ وأبلغ .

رابع شيء مهم تعلمته عن الحياة هو أن التغيير الآمن هو التغيير الهادئ، بمعنى أن التدرج في الانتقال من حالة إلى حالة أخرى لأي شخص يريد التحسن للأفضل هو الطريق الذكي، وأن التغيير السريع والمفاجئ قد يؤدي لنتائج عكسية حقيقية قد تزداد على المشاكل السابقة .

خامس شيء مهم تعلمته عن الحياة هو أن التحفيز من أكبر الفخاخ الموجودة، لأنه كالمخدرات ينشط لمدة معينة ويذهب في انتظار حقنة تحفيز أخرى، بخلاف أشياء اسمها أخذ القرارات والإنجاز .

سادس وآخر شيء مهم تعملته عن الحياة هو عدم الخجل من السؤال وطلب النصيحة من أي شخص جرب شيئا مهما، والمثل المغربي يقول “الحاجة لي تزادت فالراس تنفع”، وأن الإخبار بما يستحسن فعله أو يستحسن تجنبه هو شيء وإن لم ينفع الناس فإنه حتما لن يضرهم.

وفي النهاية لا أخاف أن تُفهم كلماتي في غير المقصود لها أن تُفهم، لأن الكلمات كركلة الترجيح في كرة القدم تقذَف وهناك من سيحاول أن يلتقط، ويبقى السؤال: هل سيلتقط؟

ما تعلمته في الحياة لحدود الساعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *