حقنات في اليوم

قصة قصيرة عن أحد مرضى الاكتئاب

أشياء كثيرة هي تلك التي تنكسر في دواخلنا فيستحيل إصلاحها بعد ذلك، ولو حدثت معجزة وزرنا عيادات نفسية لنسأل عن الحل، لنحيا بطبيعتنا القديمة، و هل هناك حل أصلا لإصلاح ما يصعب إصلاحه؟

خطيئتنا الصمت عن قول أشياء كان من الأجدر أن تقال في حينها، فتراكمها هو ما يؤلم ويبني خندقا غائرا في دواخل النفس. ندفع ضريبته أمام أطباء نفسيين كسولين لا يهتم بعضهم فعلا بما نقول، وحتى وهم يكتبون الملاحظات، نتساءل إن كانوا فعلا يفعلون ذلك حقا أو أنهم ربما يلعبون ’’السودوكو’’ بعد أن أرهقتهم قصص زبائنهم.

أتخيل الحوار يمر بهذا الشكل:
الطبيب: مرحبا ثلاثمائة درهم الأولى، ما بك ؟
المريض: بلا بلا بلا بلا بلا … نعم كنت أحبها، أوووووف أحس بالألم، لا تتوقف الأصوات داخل رأسي بلا بلا بلا بلا …
الطبيب: لديك اكتئاب حاد، وسواس قهري وربما بداية ’’سكيزوفرينيا’’. لكن لا داعي للفزع، إنه مجرد اكتئاب حاد، الكل يصاب به هذه الأيام.
المريض: إصبر إصبر, لم أكمل بعد .
الطبيب: لا تحتاج أن تكمل فعلا، سأصف لك بعض الأدوية التي ستجعلك مستقرا. مضاد اكتئاب على الفطور و ’’مغنزيوم’’ قبل النوم؛ ينبغي أن تعود كل أسبوع, لكي أغير لك الجرعات.
المريض: لكن عندي أشياء أخرى أود قولها.
الطبيب: سنلتقي الحصة المقبلة.
المريض: شكرا دكتور.
صوت في رأس المريض: تبا لهذا اللعين.

تغيب الطهارة داخل أجسادنا، وأحيانا كثيرة نكون نحن السبب، لكننا نجعل من الآخر شماعة خطايانا؛ لكي نبرر وضعنا نختار أن نكون الضحايا في القصة وبالتالي فلا بد أن يكون الآخر سيئا. لكن ننسى أن الأمر ربما (أقول ربما) يرجع لنا ولتكوين شخصياتنا. لسنا مخطئين طبعا حيال الأمر، لم نختر أن نكون هكذا، وددنا بصدق أن نكون أسوياء.
لكن هذا لا يجعل أيضا -بأي حال- من الغير فاعلا بالضرورة لنجعل من أنفسنا مفعولا بهم, فلنا كذلك جزء من المسؤولية شئنا أم أبينا. تواطؤنا قد يكون صمتا كل ما استدعت الضرورة الاحتجاج، ورفض كل ما من شأنه أن يضرنا.

نصبح مجرد أجساد تتحرك في الشوارع وقد توقفت عن الحياة، ’’كْسْدة بلا روح’’ كما يقول المغاربة، وكلما نظرنا في المرآة لا نستطيع معرفتنا. يصبح الأمر ككابوس طويل مزعج نستمر بعيشه بمعونة مضادات اكتئاب تصيب بنعاس وخمول شديدين في بداية استعمالها، وتُنفى كل أشكال المشاعر والأحاسيس سواء كانت حزنا أو فرحا.
يتوقف إدراك الزمن و المحيط فجأة والأشياء تصبح متشابهة بقدرة قادر، نوبات الذعر والقلق لا تتوقف، وكلما اخترقنا الزحام يصيح الصوت:
-سيصيبك الجنون، الكل يشمت فيك، أنت نكرة.

صورة تعبيرية

يكون الصوت صادقا في أحيان كثيرة رغم سلبيته، فكثيرون هم فعلا من يشمتون في ما أوصلتنا له الحياة، أو ربما لا يستطيعون تفهمنا؛ يتعجبون من ملامحنا المتجهمة وقد اعتدنا الضحك قبلها. ولذلك إن كان أحدهم يقرأ هذا بطريقة أو بأخرى, فأقول له:
-تبا لك أنت, ولتفهمك.

لطالما كنت بحالة جيدة، لقد كنت فقط أكتب نصا طويلا بجسدي. إنه ’’برفورمانس’’ شعري وربما رقص تعبيري اخترت ممارسته في المصحات، وبالمكوث الطويل في المنزل. دقات قلبي المتسارعة شكلت موسيقى تصويرية، وقد توصلت لما يلي:

الجنون احتجاج الخيال المطول عن غضب المخافر وقسوة الآباء

اكتشفت كذلك أمرا مهما آخر، لا يملك الأطباء النفسيون أرائك مريحة في أغلب الأحيان تعين على البوح كما هو الحال في الأفلام. تمر الجلسات بشكل عبيط؛ يجلس الطبيب بمذكرة خلف مكتبه ويجلس المريض (بين قوسين) قبالته فوق كرسي عادي. نعم كرسي جد عادي وقد يكون كرسيا خشبيا مؤلما -إن ملكت حظا سيئا- و يبدأ في طرح الأسئلة:

الطبيب: مرحبا فلان (لا يهمه اسمك حقا، يقوله فقط)؛ كيف تحس الآن؟ هل ساعدتك الأدوية على التخلص من التعب المزمن؟
المريض: نعم نعم مرت الأمور بشكل جيد.
صوت في رأس المريض: يارب شافني.
صوت ثان أو ثالث في رأس المريض: تبا لهذا الهراء، أنت تعرف فعلا الحل.

الطبيب الأول نصحني بتعلم آلة موسيقية ما، جربت تعلم الجيتار ولشدة كسلي لم يكن الأمر موفقا، و أدخلني الأمر في حالة اكتئاب أكبر، فقررت تغيير الطبيب بعد أن نصحني صديق بعيادة جيدة بالدار البيضاء، اقترح فيها علي الطبيب الكتابة المطولة كل ما احتجت الحديث؛ وهذا ما فعلته من حينها إلى وقت كتابة هذه السطور. لا أعرف فعلا المكان الذي أنا فيه، أنام، أستيقظ، ضوء، صراخ، خطو في الردهة، وجه أبي، وجه حبيبتي، أووووووف حبيبتي، أصرخ:
– أود الخروج, أود الخروج.
تدخل الممرضة لتحقنني بمهدئ أصرخ :
– تبا تبا تبا؛ ما خطيئتي.

ملحوظة: وجدت الأوراق المرفقة أعلاه بجانب جثة المتوفى المسمى قيد حياته ’’فلان بن فرتلان’’، كان يعاني من مشاكل نفسية حادة و “تروما” نفسية يرجع بعضها لأيام الطفولة المبكرة؛ كان يخضع للعلاج باستعمال عقار ’’د’’ وحبوب مساعدة على النوم.

تطوان 05/06/2013
الدكتور حمزة بونفوس
مستشفى الأمراض العقلية
قسم “السكيزوفرينيا” والقلق المزمن

حقنات في اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *